Click Here For English Menu 

 

 

 

Libyan Constitutional Union

 

http://www.libyanconstitutionalunion.net  

&

   http://www.lcu-libya.co.uk

 

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الإتحاد الدستوري الليبي: تأسيسه ونشأته

مقالة توثيقية بقلم محمد بن غلبون

Click for English translation

 

سيطّلع القارىء فى حلقات هذه المقالة التوثيقية على سرد لوقائع تاريخية حدثت مجرياتها فى فترة هامة من تاريخ بلادنا، رأيت من الواجب الوطني تسجيلها ونشرها، حتى لا تندثر ونفقد معها صلتنا بجوانب هامة شكلت جزءً من تاريخنا المعاصر. ولأن هذه الوقائع والأحداث تتعرض لمواقف بعض الأشخاص الذين كانوا أطرافا فاعلين فيها، فكان لابد من تسجيل مواقفهم كما حدثت فى سياق مواضعها فى تلك الوقائع والأحداث المعنية. ومن ثمة، فإن نشرها فى الوقت الحاضر، وبعد مضي ما يقرب من ربع قرن من الزمان على حدوثها، ليس الغرض من ورائه نقد أو تجريح أؤلئك الأشخاص، بقدر ما هو محاولة متواضعة للتعريف بجزء من تاريخنا المسكوت عنه. ولهذا، أرجو أن لا يتم تأويل هذا الغرض، وأن لا يتم تحميل كاتب هذه المقالة ذنب سوء ظن الآخرين بما أحتوت.

         

تحتوي هذه الصفحة على الأجزاء من 11 إلى 20

للانتقال إلى الصفحة التي تحتوي الأجزاء من 1 إلى 10

للانتقال إلى الصفحة التي تحتوي الأجزاء من 21 إلى
 
 

الجزء الخامس

الجزء الرابع الجزء الثالث الجزء الثاني

الجزء الأول

الجزء العاشر الجزء التاسع الجزء الثامن الجزءالسابع

الجزءالسادس

         
الجزء    15 الجزء    14 الجزء    13 الجزء   12 

الجزء    11

الجزء   20 الجزء    19 الجزء    18 الجزء    17

الجزء   16

         
      الجزء  22 الجزء  21
 

 

 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الحادي عشر

 

[2] الإعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي

 

محمد علي عريبي ..

ينحدر محمد علي عريبي ـ الذى يُعتبر أحد وجهاء قومه ـ من إحدى عائلات البربر الكريمة البارزة. ويُعد أحد الشخصيات المعروفة على نطاق المنطقة الغربية فى ليبيا، وأحد الأثرياء الناجحين فى عالم التجارة والأعمال.

اتصل بي عريبي بعد اطلاعه على كتيبات الاتحاد الدستوري الليبي، الذى أعجبته فكرته وطرحه الوطني، لترتيب موعد للقائه فى المغرب التى كان يقطن بعاصمتها الرباط بصفة دائمة، ويحوز على مكانة مرموقة فيها، ونفوذ بالغ ـ لا يمكن للعين المدربة أن تخطىء رصده ـ فى داخل دوائرها السياسية.

وحين اللقاء ـ الذى تم فى سنة 1982م ـ سادت بيننا ألفة وود بالغ، حدثني عريبي فى أثناءه عن علاقة الصداقة والتجارة التى ربطته بوالدي فى فترة الاحتلال الإيطالي لليبيا، كما حدثني عن العلاقة الوطيدة التى ربطته بخالي محمود دربي (رحمه الله) ـ أثناء إقامته بمدينة طرابلس ـ والتى استمرت بينهما حتى غادر عريبي ليبيا.

 

 ** * **

لقد سُعدت فى قرارة نفسي بما عبر به عريبي من ود مفرط لشخصي ولكيان الاتحاد الدستوري الليبي، والذى ترجمه فى إفصاح صريح لاستعداده بمؤازرة وتأييد وتقديم عونه وخدماته للنشاطات التى يزمع الاتحاد الدستوري الليبي خوضها من أجل تحقيق أهداف فكرته المنشودة.

وظننت فى ذات نفسي ـ فى حينه ـ بأنني قد كسبت أعلى جوائز يانصيب الحظ فى معترك السعى لتأمين الدعم لنشاطات الاتحاد الدستوري الليبي !.

 

 ** * **

 

ورغم استيعاب محمد علي عريبي لمضمون الفكرة القائمة عليها أهداف الاتحاد الدستوري الليبي، إلاَّ أنني قد وجدت من الضروري أن أنوه له عن أهمية وضرورة تأييد البربر لأي عمل يرتكز قوامه على إعادة الشرعية الدستورية للبلاد، المستمدة لروح قواها من دستور الأمة الذى نالت بموجبه استقلالها.

وقد أوضحت لعريبي، فى هذا الإطار، بأن السبب الذى يحث البربر ـ بالذات ـ لتسخير دعمهم ومناصرتهم لعودة الشرعية الدستورية لربوعها المعهودة فى البلاد، يكمن فى نصوص وبنود دستور الأمة.

بمعنى أكثر وضوحاً، إن دستور الأمة الليبية الذى يفرض الواجب على الجميع، وتفرض المصلحة العامة لأفراد الشعب الليبي بشتى طوائفه، التمسك بوجوده والإصرار على إعادة تفعيله، قد راعى فى طيات نصوصه ـ بشدة دامغة ـ على تمكين كافة مواطني الدولة الليبية من حقوقهم المدنية والسياسية دون أدنى تفريق بينهم على أساس عرقي أو طائفي.

فقد نصت بنوده على كفالة حقوق وحريات كافة أفراد الشعب الليبي دون تمييز بينهم على أساس العرق والدين، ومن ثمة ساوى بينهم ـ جميعاً ـ فى الحقوق السياسية والاجتماعية والقانونية.

بمعنى، إن الدستور قد راعى حقوق الأقليات وحرياتهم فى ليبيا[1]، حيث مكنهم من ممارسة كافة حقوقهم العرقية، وشعائرهم الدينية، وجعل من نصوص القانون الواردة فى بنوده أداة الحمى لهم ولتقاليدهم المتوارثة، وجعل منها ـ من ثمة ـ الكافل لحقهم فى ممارسة هذه الحقوق بمطلق الحرية والأمان.

 

 ** * **

 

لقد كان لزاما علي أن أذكر لمحمد علي عريبي بأن الشرعية الدستورية فى ليبيا التى أستقت مَضنُونُ روحها من دستور الأمة، كانت تقف إلى جانب المواطن الليبي الذى ضمته أرض الوطن، بغض النظر عن خلفيته العرقية أو الدينية، فلم يكن هناك تمييزا ـ فى ظل أحكام نصوص الدستور ـ بين أحد من أبناء الشعب الليبي وسواه فى الحقوق والواجبات.

وقد أشرت أيضاً لعريبي، فى هذا الغمار، بأنه من شدة حرص المؤسسين للدولة الليبية ـ فى عشية الاستقلال ـ على مراعاة الاختلاف فى تركيبة نسيج الشعب الليبي الكامنة فى انحدار بعض أطيافه من أجناس بشرية مختلفة، إلى إنهم قرروا عدم إلحاق كلمة العربية بإسم الدولة الوليدة، ولهذا رأينا كيف ولدت دولة ليبيا الجديدة تحت اسم المملكة الليبية المتحدة.

ودواليك، بعد إلغاء نظام الولايات فى سنة 1963م تم تسميتها المملكة الليبية، على الرغم من سيل الضغوط الجارفة التى مارسها البعض[2] على إدارة حكم النظام الملكي لإلحاق كلمة العربية بإسم الدولة الليبية، والتى رآها أصحاب القرار ـ آنذاك ـ إجحافاً بحق الأقليات الليبية التى لا تنحدر فى سلالتها من الأصول العربية.

 

ورغم شدة اهتمام القائمين على إنشاء الدولة الليبية لضمان سواسية المواطنين أمام سلطتها، ورغم حرصهم البالغ لتمكين الأقليات من حقوقهم التى قد يعبث بها بعض المغرضين، إلاّ إننا نجد أنهم قد غفلوا ـ بحسن نية ـ عن ظاهرة لم يكونوا يعرفون فى حينه أنها ستكون لها سلبياتها على سير الحياة السياسة فى دولتهم الجديدة فيم بعد.

وهذه الظاهرة تتمثل فى القبلية وتركيبتها المحتوية على ازدواجية الولاء الذى يميل فى غالب الأحيان لترجيح كفة القبيلة ـ فى ميزان الانتماء والولاء ـ أكثر منه لكفة الدولة التى تضم هذه القبائل وكافة الطوائف والأفراد الآخرين فى داخل المجتمع الليبي.

فقد كان لإساءة استخدام بعض أقطاب مجموعة من القبائل القليلة لنفوذهم السياسي لصالح قبائلهم على حساب مصلحة الدولة ورعاياها الآخرين، نتائجه السلبية الوخيمة التى أدت فى المنتهى إلى استغلاله من قبل حفنة من العسكر كذريعة لتنفيذ انقلابهم المشئوم.

ولأن هذا الموضوع يحتاج لشرح أطول ومساحة أكبر، لا يمكن تغطيته فى سطور قلائل، فقد رأيت أن أفرد له جانب فى نهاية هذا الجزء لتوضيحه وسبر غور حيثياته، وذلك حتى لا يشتت ذهن القارىء بهذا الموضوع العارض والهام فى ذات الوقت.

 

 ** * **

 

وعودة لموضوعنا، فقد أقر عريبي بتميز الدستور الليبي وصفاء عدله إزاء تنظيم وتسيير أركان الحياة فى الدولة الليبية، وشهد بإنصاف واضعيه الذين راعوا حقوق الأقليات، وهذا على العكس تماماً من حكام نظام الانقلاب العسكري.[3]

وهكذا، قال لي بأنه قد جند نفسه منذ تلك اللحظات كرسولٍ ـ عني ـ لأوساط الأخوة البربر، وذلك من أجل حثهم على دعم وتأييد توجه الاتحاد الدستوري الليبي حتى تتحقق أهدافه المأمولة.

وتوطدت مع الأيام ـ من ناحية أُخرى ـ أواصر الصداقة بيني وبين عريبي، حيث أخذت لقاءاتنا الثنائية، وأحاديثنا الاجتماعية عبر المسرة صورة روتينية لم أكن أرى فى الأفق ما يمكن أن يحجبها.

وجدّ فى الأمر حدث لم أتوقعه، لكنه لم يفاجأني، حيث لم تمض فترة طويلة على صداقتي الناشئة بمحمد علي عريبي، حتى أبلغني برغبة بعض مسؤولي حكومة الولايات المتحدة الأمريكية فى الإلتقاء بي من أجل الحديث حول كيان الاتحاد الدستوري الليبي وتوجهه ومستقبل نشاطه.

وفوجىء عريبي بموافقتي المباشرة على قبول مضمون رسالته التى بلغني بها، وعدم ممانعتي على تنفيذها؛ فلم يكن يدرى عريبي بأن حساباتي ونظرتي لآفاق العمل النضالي الوطني هى أكبر بكثير من قصرها على منطقة موضع أقدامي.

بمعنى آخر، إن تحرير ليبيا من براثن حكم نظام الانقلاب العسكري، من خلال خطة العمل التى تفرضها عملية الكفاح الشاقة لإعادة الشرعية الدستورية لنصابها المعهود فى البلاد، يتطلب كسب الرأي العالمي على مستوى حكومات الدول المؤثرة فى حركة نظام الفلك السياسي للعلاقات الدولية.

وإذا سلمنا بأن أهمية المطلب السابق يضعه فى أعلى سلم أولويات خطة العمل المرسومة لتحقيق الأهداف المنشودة، فكسب الولايات المتحدة الأمريكية ـ أكبر قوة مؤثرة فى إطار حركة التوازن الدولي فى عالمنا المعاصر ـ إلى جانب حق الشعب الليبي العادل فى إعادة شرعيته الدستورية فى الحكم، يضعها ـ فى هذا المضمار ـ بأعلى سلم الدول التى يتم مناشدتها لتحقيق هذا الغرض.

وقد خالني أن عريبي لم يكن يدرى بما يجول فى خاطري من خطة شاملة لكافة أبعاد وأوجه البؤر الهامة والرئيسية فى إطار تحقيق أهداف فكرة الاتحاد الدستوري الليبي، ولهذا فقد باغتته مفأجآة موافقتي الفورية على اللقاء بممثلي الحكومة الأمريكية؛ فجل ظني أنه قد اعتقد فى ذات نفسه أنه سيخوض نقاشا ـ عصيبا ـ أعد له من بليغ الكلام فى نفسه ما يكفى لمحاولة إقناعي بمحاورة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية.

 

 ** * **

 

وهكذا، تم لقائي بممثلي الحكومة الأمريكية الذين رتب لي عريبي مسألة اللقاء بهم. ولعدم إضاعة الوقت فى الخوض فيم جرى أثناء هذا اللقاءات التى وصلت فى نهايتها إلى طريق مسدود، فقد سبق لي نشرها بكافة تفاصيلها على صفحات جريدة الحياة اللندنية، وسوف يجد من يرغب فى الاطلاع عليها الرابط الذى يحويها فى إحدى الحواشي المدونة أدناه.[4]

ومع شدة الأسف، قطع محمد علي عريبي كافة صلاته بي فور فشل محادثتي مع ممثلي الحكومة الأمريكية. وحاولت ـ فى تلك الآونة ـ تكراراً ومراراً الاتصال به، لكني كُنت أُجابه بتهربه، وتجنبه الحديث معي.

و بانقطاع تلك الصداقة القصيرة التى نشأت بيننا ـ والتى كُنت أعول على صدقها وطهرها ـ ذهبت وعود عريبي بتأمين تأييد أهل البربر ومؤازرتهم لتوجه الاتحاد الدستوري أدراج الرياح، وذهبت معها عهوده التى قطعها بالمساهمة فى تمويل نشاطات الاتحاد الدستوري الليبي.

 

 ** * **

 

تأثير إساءة استخدام النفوذ القبلي فى الحياة السياسية فى ليبيا ..

 

فيم يلي سأسرد فى شرح وافي لخلفية تأثير العَصَبِيَّةُ القبلية على عقل الفرد المنتمى إليها وانعكاسه على مشاركته السياسية فى داخل الدولة التى تضمه وقبيلته بكيانها.

وتقع ضرورة الشرح لهذه الخلفية من الأهمية التى لا تترك ـ لي ـ معها المجال لتجاهلها أو غض الطرف عنها. وذلك لأنها ستمكن القارىء من فهم الأسباب الكامنة وراء اتخاذ بعض الشخصيات ـ التى أتى على ذكرها فى هذه المقالة التوثيقية ـ لمواقفهم المشار إليها.

ومن هنا، سوف أقدم ـ فيم سيلي ـ شرحا حول تركيبة التكوين القبلي والمبادىء التى تحكمه، والتى يقع كاهل المسئولية عليها فى التأثير على علاقة أفراده بسلطة الدولة التى ينتمون إليها. وسأدلل، كلما دعت الحاجة فى هذا السياق، بأمثلة من واقع الأحداث، علها تدعم ـ بجهارتها ـ صحة التحليل الوارد فى هذا الصدد.

 

 ** * **

 

القبيلة والمبادىء التى تحكمها ..

 

تعتبر القبيلة من أولى التجمعات المنظمة التى عرفها التاريخ الإنساني قاطبة، فلم يعرف الإنسان على مر عصور حياته فوق سطح كوكب الأرض شكلا ـ اجتماعيا ـ من أشكال العَصَبِيَّةُ، يضمه وآخرين من بني جنسه فى إطاره مثل الكيان القبلي.

والقبيلة ـ مثلها فى ذلك ـ مثل كافة الأشياء الأخرى في هذه الدنيا قد نشأت تحت وطأة الحاح حاجة الإنسان لها، فصراع الإنسان مع غرماءه من بني جنسه قد دعته إلى البحث عن تعضيد نفسه بالأقرب إليه من بني جلدته ضد الآخرين.

ومن هنا، عرف التاريخ الإنساني أولى لبنات تجمعات أصحاب صلات الدم الواحد من ذوي القربى في محاولة لخلق تجمعات مترابطة ذات أهداف ومنافع مشتركة، تذود فيها مثل هذه الجماعات ذات القرابة الدموية عن مصالحها إزاء الجماعات الأخرى المتنازعة معها على تلك المصالح، فتكونت منذ ذلك التاريخ الضارب في قدمه العشائر ومن ثم القبائل لتصبح بعد ذلك نواة وركيزة أساسية في البنية القومية للمجتمعات البشرية ـ المتنوعة ـ الحديثة.

ولم تسثن أي منطقة من بقاع الأرض المختلفة عبر التاريخ الإنساني من وجود التنظيم القبلي فيها، فقد عرفت كافة المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها المتواتر التكوين القبلي وانتهجت أساليبه وسلوكياته، وذلك رضوخاً لحاجة الإنسان فيها لاقتناء القوة من أجل الحفاظ على مصالحه المشتركة مع أبناء رابطته الدموية.

غير انه في الأزمنة الحديثة من القرون الآخيرة للمسيرة البشرية، وتحت نير التطور الإنساني بدأ التكوين القبلي في كثير من المجتمعات المختلفة من مناطق العالم يتلاشى لحساب التحول إلى كيانات المجتمعات المدنية أو الحضرية التى ظلتها الدولة تحت سقف أقبية قوانينها الوضعية.

وقد تحول ـ فى هذا الصدد ـ المجتمع القبلي إلى مجتمع مدني أو حضري نتيجة التطور التاريخي للبشرية عبر العصور، والذى فرضته مصلحة الإنسان الساعية إلى تحسين وضعه المعيشي فى إطار جديد ترعاه الدولة الشاملة لكافة أفراد المجتمع بشتى أعراقهم المختلفة، تحت مظلة من القوانين التى تنظم علاقات ـ هؤلاء ـ الأفراد بعضهم بالبعض الآخر، وتحضنهم برعايتها دون تمييز بينهم أو تفريق.

إلا إنه ـ من ناحية أُخرى ـ لا زالت بعض التكوينات القبلية في بضعة من المجتمعات الإنسانية، وعلى وجه الخصوص في بعض مجتمعات الدول العربية، تحتفظ بشكلها البدائي الذى فطرت عليه منذ ألآف السنين، حيث نجدها لم تندمج أو تحقق الذوبان فى بوتقة الدولة الحاضنة لها فى الإطار العام للمجتمع بأسره؛ فظلت ـ فى هذا الصدد ـ تمتثل لغريزة مصالحها الضيقة المحصورة فى نطاق أفراد قبيلتها أكثر من انتمائها وولائها للمصلحة العامة لمجتمع الدولة ـ المعنية ـ ككل.

ولا ريب فى إنه هناك مبادىء أو نواميس تحكم تركيبة تكوين البنية القبلية فى شكلها البدائي، وتتحكم من ثمة فى منهجها السلوكي، والتى يمكن تلخيصها فى النقاط التالية:

  •  مصلحة الفرد في القبيلة هى مصلحة للقبيلة بأكملها طالما كانت تتطابق مع مصالح بقية الأفراد فى داخل منظومة القبيلة ذاتها، ولا تتعارض معها.

  • مصلحة القبيلة تنصب وتتركز في السعى إلى تحقيق مصالح أفرادها التى هى إحدى أهم الغايات المنشودة.

  • إن حماية مصالح القبيلة، والذود عن حرماتها وممتلكاتها، هى أولى الغايات المنشودة في العقلية التى تحرك الوجدان القبلي.

  • أن الطاعة العمياء والانصياع لأوامر شيوخ ورؤساء القبائل من أهم السمات التى يتحلى بها كل فرد في القبيلة والتى تعد يقين راسخ في وجدانه لا يحيد عنه ولو بقيد أنملة.

      

  ** * **

 

وعندما نترجم هذه المبادئ فى أرض الواقع عن طريق ـ محاولة ـ تطبيقها فى داخل إطار كيان الدولة الشامل، فإنه من المحتم أن تصطدم إحداها أو عمومها ـ عند نقطة ما ـ بقوانين الدولة المنظمة لعلاقة الأفراد فى داخل كيانها.

والسبب ـ ببساطة ـ يكمن فى أنه لم يتم تسييس القبيلة لكى توحد أهدافها في إطار مصالح وأهداف الدولة التى تضمها وبقية أفراد وفئات المجتمع الآخرى المختلفة، فى تناغم وتناسق وإتساق يحقق المصلحة العامة لكافة أفراد المجتمع بمختلف أفراده وعشائره وقبائله وأقلياته الدينية والعرقية، بحيث يعمل الجميع لتحقيق مصلحة الدولة التى ينتمون إليها جميعاً، وليس لتحقيق مصالح كياناتهم القبلية والعرقية على حساب المصلحة الأساسية لمواطني الدولة بأسرها.

وهذا هو الخطأ الكبير الذى لم ينتبه لخطورته أصحاب الوعي السياسي فى إدارة نظام الحكم الملكي، حيث تركوا الحبل على الغارب لسيطرة الكيان القبلي على ـ بعض أوجه ـ القرار السياسي فى الدولة الناشئة، دون التفكير فى الإقدام على إجراء محاولة جادة لتسييس الكيان القبلي وعصرنته حتى يتمكن من إداء وظيفته بصورة طبيعية فى داخل كيان الدولة، وذلك عن طريق مساهمة أفراده ومشاركتهم في عملية صنع القرار من خلال القنوات السياسية المتاحة لجميع أفراد المجتمع بأسره.

وقد أدت فداحة هذا الخطأ ـ الموروث ـ إلى تعاظم وتفاقم حدة الخلل فى علاقة الفرد بسلطة دولته من ناحية، وجعل ـ من ناحية أخرى ـ من بعض القبائل النافذة مراكزا للقوة تتحدى سلطة الدولة وتقرعها عند الاصطدام بها، ولا ترتدع ـ من ثمة ـ لسلطان قوانينها. ولعلنا نجد ذلك واضحاً من خلال المثالين التاليين:

  1. إخراج إحدى القبائل ـ عنوة ـ لأحد أفرادها من قاعة المحكمة، التى كان يمثل أمامها بتهمة إصدار أوامره لقوات الأمن باستخدام الأعيرة النارية عند التصدى لمظاهرات الطلاب فى يناير 1963م، مما أدى إلى سقوط بعض الضحايا.

  2. توجه جمع غفير من أفراد بعض القبائل للديوان الملكي، والاعتصام أمامه لمنع الملك من تقديم إستقالته، وإجباره على سحب إقتراحه بتغيير نظام الحكم الملكي إلى نظام حكم جمهوري فى حقبة الستينات.

 

 ** * **

وهكذا، وبنظرة خاطفة، يمكن تعليق معظم أخطاء الحكم الملكي فى ليبيا على مشجب السيطرة القبلية على مقاليد الحكم، وهذا ما يحمل ـ فى جزء منه ـ لجانب من الصواب، لكنه فى إطار المنظور الكامل للحقيقة التامة، تُعد السيطرة القبلية على مقاليد الحكم فى ليبيا أبان العهد الملكي نتيجة لسبب آخر يقف ورائها !.

وهذا السبب، الذى تجاهله الجميع، ومن بينهم المحللون وأصحاب الرؤى الواعية و المتابعون والمهتمون بالشأن الليبي، تنحصر طامته فى تركيبة القبيلة البدائي وما يحمله فى متنه من مبادىء لا تتفق وروح العصر الذى نشأ فى ظله كيان الدولة الحديثة.

بمعنى آخر، إن تلك المبادىء القائمة على العَصَبِيَّةُ، هى صاحبة المسئولية الحقيقية فى امتطاء بعض القبائل لصهوة العنجهية المتخلفة، من خلال رفضها الانصياع لسلطة الدولة وتحدى قراراتها المنظمة لمسار علاقات أفراد الشعب الذى تظله بكيانها، والذى تُعد القبيلة ـ فى هذا السياق ـ تمثل إحدى شرائحه.

 

 ** * **

 

ومن هنا، فإن تسييس الكيان القبلي عن طريق التوعية التى تغرس فى عقول أفراده مفهوم الولاء والانتماء للوطن ككل لا يتجزأ ـ كان ـ ضرورة لا بديل لها فى داخل مجتمع لازالت بعض شرائحه يُهيمن على تفكيرها عَصَبِيَّةُ تليق بسكان قرون الألفية الأولى للتاريخ البشري المعروف.

حيث يُعقد الأمل ـ فى هذا الإطار ـ على أن تحقق عملية تسييس وتوعية أفراد الكيان القبلي غرضها المنشود فى القضاء على شوفانيتهم التى يؤثرون معها مصالح قبائلهم على حساب مصلحة بقية أفراد وشرائح المجتمع الآخرى. كما يأمل منها ـ فى هذا الغمار ـ أن تعمق فى نفوسهم مفهوم الانتماء الصرف للوطن بذاته، وليس للقبيلة أو العشيرة أو الأقلية العرقية. فيتحقق ـ نتيجة لذلك ـ سيادة وسيطرة الدولة المعنية على كافة أركانها، ويتساوى من ثمة مواطنيها أمام سلطتها ونظام حكمها، بغض النظر ـ فى هذا الشأن ـ عن اختلاف مشاربهم القبلية أو العرقية.

ولكن الواقع ـ كما نعلمه ـ قد عرف إبان فترة العهد الملكي، هيمنة العَصَبِيَّةُ القبلية على بعض أوجه صنع القرار السياسي، الذى تكون ـ من جرائه ـ خلل مزمن فى طبيعة العلاقة بين الفرد وسلطة دولته، وأدت نتائجه السيئة إلى شل قدرة الدولة على فرض هيبتها لتنفيذ القوانين المنظمة لمسارها فى داخل كيانها الشامل.

وقد استغل نظام الحكم غير الشرعي الذى وصل إلى سدة الحكم فى ليبيا عن طريق الانقلاب العسكري فى سبتمبر 1969م ـ نفس هذه العَصَبِيَّةُ ـ لأغراضه الخبيثة المبيتة بعد ذلك.

 

ومن ناحية أُخرى، فإن القبيلة تُعد كيانا له اعتباره وأهميته في النسيج الاجتماعي لليبيا، وله ـ أيضاً ـ غلبته على تركيبتها السكانية. ومن هنا، فإنه من الجدير بالأهمية أن يتم السمو به، وإثراء تكوينه الأصيل، من خلال توعية وتسييس أفراده لتقديم الانتماء والولاء للوطن على الانتماء والولاء لقبائلهم، فهذه هى الوسيلة النموذجية لإزالة ازدواجية الولاء و الانتماء التى يعاني منها الكثير من أفراد الكيان القبلي فى هذا الخصوص.

 ** * **

 

ولعل العَصَبِيَّةُ القبلية هى التى حركت ـ بنعرتها الحادة ـ وجدان الحاج محمد السيفاط، ولم تمل عليه عدم مؤازرة فكرة الاتحاد الدستوري الليبي وتأييدها فحسب، بل إنها دفعته لمعاداتها ومحاربتها، وذلك لكونها قد صدرت عن أحد شخصيات الحضر، ولم تكن فى أساسها منطلقة مبادرتها من أتون الكيان القبلي، الذى اضطلع بمهمة الجهاد فى فترة الاحتلال الأجنبي للبلاد، وساس حكم البلاد من خلال التفافه حول شخص الملك فى فترة ما بعد الاستقلال.

وحتى يتم إضفاء صحة على هذا الرأي، والبرهنة على صدقه، سأقوم ـ فيم سيأتي ـ بسرد بعض الوقائع والأحداث فى هذا الشأن.

 ** * **

 

لقد نمى إلى علم السيد حسين مازق (رحمه الله) ما كان الحاج محمد السيفاط يقوم به من نشاط مناوىء لتوجه الاتحاد الدستوري الليبي؛ فوقع فى حيرة من نفسه، لأنه كان يعلم بأن توجه الاتحاد الدستوري الليبي يقوم فى أساسه على المناداة بإعادة الشرعية الدستورية إلى البلاد من خلال الالتفاف حول ممثلها الملك إدريس السنوسي.

وترجع أسباب حيرة حسين مازق فى هذا الشأن، إلى إن قبيلته (البراعصة) ـ التى يُعد الحاج محمد السيفاط أحد أبرز شخصياتها ـ كانت فى يومٍ إحدى نواصي وأركان نظام حكم الملك إدريس السنوسي البارزة. فلا يعقل ـ والحال كذلك ـ أن يقوم السيفاط وهو أحد أعمدة هذه القبيلة بمناوئة كيان الاتحاد الدستوري الليبي الذى تقوم ركائز فكرته على إعادة الشرعية الدستورية وتطالب جموع الليبيين الالتفاف حول الملك إدريس !.

وهكذا أرسل السيد حسين مازق رسولاً من طرفه إلى الحاج محمد السيفاط محملاً بسؤال مركب يحتوى فى متنه على شقين، اجتهد صاحبه على تحديد ضالته المنشودة ـ من وراءه ـ فى بحثه عن إجابة شافية تجلى له غموض هذا المشهد المحير، وتميط اللثام عن الغموض الذى يحيط به.

وكان السؤال ـ المعنى ـ يسعى فى شقه الأول إلى معرفة موقف الحاج محمد السيفاط المريب فى هذا الإطار، بوجه عام ؟.

ويطرح ـ صاحب السؤال ـ فى شقه الثاني تساؤلين آخرين ، يحملان فى طياتهما حدسين سيتبين من خلالهما ـ إذا صدقا فى فراستهما ـ أسباب العلة التى دفعت بالسيفاط لتبنى موقفه المعادى لتوجه الاتحاد الدستوري الليبي وتشنيعه على مؤسِسِهِ محمد بن غلبون.

ويفيد التخمين أو الحدس الأول بأن السيفاط ـ ربما ـ اتخذ موقفه المشار إليه بسبب عدم اقتناعه بأن الملك إدريس لم يبارك قيام الاتحاد الدستوري الليبي كما أدعى مؤسِسِه محمد بن غلبون !.

ويفيد التخمين الثاني بأن مؤسس الاتحاد الدستوري الليبي لم يتبع البروتوكول اللائق عند اتصاله بالحاج محمد السيفاط لإعلامه بتأسيس كيانه المنوه عنه، فلم يراع مكانة السيفاط المرموقة ومقامه الموقر، أو إنه أساء للسيفاط بعمل فج لا يتفق والسلوك السوى، وهذا ما أدى بدوره إلى ترك مرارة فى نفس السيفاط، دفعته بغبنها إلى تبنى موقفه المشار إليه إزاء الاتحاد الدستوري الليبي ومُؤسِسِه محمد بن غلبون !.

ومن هنا، إذا كانت المسألة برمتها محددة بالطرح الذى يحمله التخمين الأول، والمتمثل فى إدعاء بن غلبون بمباركة الملك لنشاط الاتحاد الدستوري الليبي، وثبت ذلك بالدليل والبرهان القاطع، فإنه فى هذه الحالة لا تعزير للسيفاط ولا ملامة عليه.

إما إذا تحددت المسألة فى إطار من التخمين الثاني، الذى يآول أمره إلى عدم تبجيل بن غلبون لمكانة السيفاط عند إعلامه بتأسيس كيان الاتحاد الدستوري الليبي، أو إساءته إليه بطريقة ما، فأنه فى هذه الحالة يمكن تعزير بن غلبون عن طريق أهله الذين تربطهم علاقة قوية بصاحب الأسئلة (حسين مازق)، فيعتذر ـ من ثمة ـ للسيفاط عن الإساءة التى لحقت به منه.

 

 ** * **

 

ونقل مرسول حسين مازق إليه إجابات سؤاله المركب، من قبل الحاج محمد السيفاط، والتى أفادت بأن بن غلبون لم يسيء إليه البتة، بل على العكس من ذلك، كان كيس ومراعى لكافة قواعد السلوك القويم فى التعامل معه. ومن ناحية أخرى، فإن الملك بالفعل قد بارك وشجع قيام وتأسيس الاتحاد الدستوري الليبي.

وإن السيفاط قد اتخذ موقفه المعادى من الاتحاد الدستوري الليبي ومؤسسه محمد بن غلبون، لأنه كره أن يقوم أحد أبناء الحضر بخطوة لا يكمن فى لدنها الحل للقضية الليبية الشائكة، بل أنها ستلصق العار برجال القبائل الذين حكموا بأسم الملك إدريس السنوسي إبان فترة العهد الملكي، وأداروا الآن ظهورهم لمثل هذا التوجه المحمود، ناهيك عن الشعور بالمرارة التى ـ قد ـ تعتمل بها أنفسهم لكونهم فشلوا فى المبادرة بهذا التوجه النير، بعد أن خانتهم أذهانهم فى التفتق بمثله قبل أن يسبقهم عليه محمد بن غلبون.

ومن هنا، فإن المصلحة تقتضي أن يتم محاربة كيان الاتحاد الدستوري الليبي، والعمل على إفشاله حتى لا يكون وصمة بائنة ـ وشهادة ـ على تقصير رجال هذه القبائل فى هذا الخصوص. ومن ناحية أُخرى، لا يوجد ما يمنع أن يقوم أحدهم فى المستقبل بإعادة طرح هذا التوجه المنوه عنه.

وللقارىء أن يرى مدى تأثير العَصَبِيَّةُ القبلية ـ التى قدمت لها أعلاه ـ فى إيثار مصلحة القبيلة على مصلحة الوطن.

 

 ** * **

 

وبدت للسيد حسين مازق الحقيقة واضحة بوجهها الكريه، ولام السيفاط على موقفه غير العادل فى هذا الغمار، وطلب منه أن يكف عن مناوئة نشاط الاتحاد الدستوري الليبي ومؤسسه محمد بن غلبون، إذا كانت نفسه غير قادرة على الانضمام إليه ومؤازرته ودعمه.

وطلب حسين مازق من رسوله أن يُبلغني بكافة تفاصيل هذه الواقعة، التى نقلتها للقراء ـ هنا ـ بحذافيرها، وذلك من أجل التدليل على تأثير العَصَبِيَّةُ القبلية المقيتة فى مجرى الأحداث، والتى كثيراً ما تنجح فى الوصول بها فى مواقف معينة إلى أوضاع غير حميدة.

كما كلف السيد حسين مازق رسوله بأن ينقل لي عنه كلمة واحدة وهي : "سامحنا".

 

 ** * **

 

وفى الختام، أجد نفسي مضطراً للإستعانة برواية أحد رجال المعارضة الوطنية بالخارج حول حقيقة موقف السيفاط تجاه الاتحاد الدستوري الليبي ومؤسسه محمد بن غلبون، الذى لم يواربه على الكثير من مسامريه، وذلك حتى أُضفى على حديثي حول هذه الواقعة ـ المذكورة أعلاه ـ حقها من المصداقية التامة التى حرصت طوال حياتي على أن تكون إحدى سمات سلوكي فى تعاملي مع الآخرين.

روى لي الأستاذ صالح جعودة ـ فى حضور محمود شمام ومفتاح الطيار ومحمد دربي ـ بأنه عندما سأل السيفاط فى مرة عن سبب عداءه ومحاربته لمحمد بن غلبون، وهل السبب من وراء هذا العداء ـ لابن غلبون ـ مرجعه إلى توجهه السياسي الذى بلوره فى تأسيسه للاتحاد الدستوري الليبي ؟ أم إن سبب العداء يعود لكراهية شخصية جناها بن غلبون بسبب موقف ما خرج فيه عن أصول اللياقة السلوكية معك، مما أثار حفيظتك تجاهه ؟.

وأجابه السيفاط قائلاً: "بأن فكرة توجه الاتحاد الدستوري الليبي التى تبناها بن غلبون لا غبار عليها. أما معاملته لي فقد كانت على أفضل ما يرام، فلم يخطىء ـ فى يومٍ ـ فى حقي البتة ، ولو كانت الفكرة قد أنبثقت عن ذهن أحد كبار الشخصيات الليبية، أو من أحد أبناء العائلات المعروفة كعائلتكم، لما أعرت الأمر أهمية، ولكن أن تأتي هذه الفكرة من بن غلبون، فهذه  ما نْحَمَلْهَش".

 

يـتـبـع ..

محمد بن غلبون

12 نوفمبر 2006

chairman@libyanconstitutionalunion.net

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] توجد فى ليبيا أقليات عدة، فعلاوة على البربر ـ الذين يعدون من أقدم الأجناس التى عاشت على أرض ليبيا ـ هناك الكريت (الكريتلية)، واليهود الذين رحلوا أثناء حرب 1967م.

[2] لعل أحد أبرز هذه الضغوطات التى تلقاها القائمون على إدارة حكم ليبيا ـ فى غضون ذلك الوقت ـ تلك التى كان يمارسها إعلام عبد الناصر المشبع حتى الثمالة بإحياء القومية العربية، مما كان له تأثيره الساحر على شباب ليبيا المتعطشة ألبابهم بحماس وقاد لإعادة قيام هذه القومية التى شهد ـ لهم ـ التاريخ المعاصر على انتكاستها فى معترك الصراع ضد القوميات الفرنجية.

[3] من باب المثال وليس الحصر ـ فى هذا الصدد ـ يجدر تذكير القارىء بإحدى ممارسات نظام الانقلاب العسكري القمعية ضد البربر الليبيين ، المجحفة بحقوقهم الشرعية كمواطنين، وذلك عندما قام بمصادرة حقهم فى إطلاق أسماء بربرية على أبنائهم، وفرض عليهم الأسماء العربية !.

[4] الرابط الذى توجد به المقالة المنشورة بصحيفة الحياة:

http://www.daralhayat.com/opinion/08-2005/Item-20050828-fe179261-c0a8-10ed-0038-fb5993411b13/story.html

 

 

 
 

نشرت هذه الحلقة يوم الأحد 12 نوفمبر 2006 على المواقع الليبية

"ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة"

   

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الثاني عشر

 

[2] الإعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي

 

الدكتور محمد يوسف المقريف ..

 

من أسهل الأمور وأيسرها على المرء أن تناط به مهمة التعريف بشخصية ـ غنية عن التعريف ـ فى مجتمع يلم فيه كل واحد من أفراده على حدة بأدق سيماتها.

ولعل الدكتور محمد يوسف المقريف هو أحد أفراد هذه الفئة الذى لا يحتاج المرء عند الحديث عنه سوى ذكر اسمه ، فلا أظن أن هناك ليبيا مهتما بمجريات الحياة السياسية فى وطنه، خلال فترة حراك المعارضة الليبية فى مطلع حقبة الثمانينات ومعظم سنوات حقبة التسعينات، لا يعرف ـ من هو ـ الدكتور محمد المقريف، وهذا أمر أحسبه من حسن طالعي، فقد عفتني شهرته الواسعة بين أفراد مجتمعنا من مشقة التعديد لسيمات شخصيته البارزة.

 

    ** * **

 

لقد فرغت فى الأجزاء السابقة من الحديث حول ـ بعض ـ شخصيات أهل الحل والعقد فى المجتمع الليبي، وموقفهم من تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي. وفى هذا الجزء والأجزاء القادمة من هذه المقالة التوثيقية، سوف أتناول بعض شخصيات ليبية أُخرى من رجال الوطن الذين عجت بهم فصائل المعارضة الليبية المختلفة فى الخارج، إضافة لبضعة من أولئك الذين رفعوا لواء معارضة نظام الحكم العسكري فى ليبيا كمستقلين. وستكون البداية من خلال الحديث حول موقف الدكتور محمد يوسف المقريف، الأمين العام ـ السابق ـ لجبهة إنقاذ ليبيا.

 

** * **

فى أعقاب الإعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي، وبالتحديد فى أوآخر سنة 1981م، زارني فى بيتي بمدينة مانشستر الدكتور محمد المقريف مصطحباً معه عاشور الشامس.

وما أن فرغنا من مأدبة الغذاء، ومن بروتوكول المجاملات الشخصية، ومن الحديث حول شئون الساعة، حتى ولج الدكتور محمد المقريف إلى صلب الموضوع الذى دعاه للاتصال بي، ومن ثم القيام بهذه الزيارة قيد الحديث.

 

قال لي المقريف فى مجمل حديثه بأن فكرة الاتحاد الدستوري الليبي الذى تم تأسيسه منذ أسابيع خلت، قد نالت إعجابه الشديد بها وبأهدافها السامية، إلاّ أن الظرف السياسي الدولي الحالي بمعطياته السياسية الشائكة قد تمخض ـ كضرورة ملحة ـ عن تأسيس الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، التى لا يترك أمر انبثاقها على ساحة النضال الوطني المجال لوجود أية تنظيمات أُخرى منافسة بإيديولوجية فكرتها أو إستراتيجية خطة عملها لتحقيق الأهداف المنشودة فى هذا الشأن.

ومن هنا، فإن قدومه لزيارتي يتلخص فى جله حول طرح اقتراح يصب مؤداه فى قيامي بحل الاتحاد الدستوري الليبي ودمج أعضاءه ـ كأفراد بصفاتهم الشخصية ـ فى جبهة إنقاذ ليبيا، لتقوم الجبهة بعد ذلك بتبنى مبدأ فكرة إعادة الشرعية الدستورية إلى نصابها المعهود فى البلاد، الذى هو أنسب لكيانها من حيث الإمكانيات والقدرة على رفع لواءه وتحقيق مبتغاه، وأن يتم استبعاد مسألة الالتفاف حول الملك، لأنها خطوة عقيمة فى إطار فاعلية حركة النضال لإسقاط النظام العسكري الحاكم فى ليبيا.

واستمر الدكتور المقريف فى شرح كنه اقتراحه، بقوله إن حل الاتحاد الدستوري الليبي وانضمام أعضائه لجبهة الإنقاذ يُعد ـ بلا جدال فى هذا النحو ـ الخطوة الصائبة لعدة أسباب، يمكن تلخيصها فى النقاط الثلاثة التالية:

 

1.     تفرض الأوضاع الدولية الراهنة، بقوة تأثيرها النافذ، أن يتواجد بساحة نضال المعارضة الليبية ـ العازمة على إسقاط النظام الحاكم فى ليبيا ـ تنظيم ليبي معارض واحد، يضم تحت سقفه كافة أعضاء المعارضة الليبية فى الخارج. وهذا ما تم ترجمته على أرض الواقع من قبل القوى الدولية صاحبة التأثير الأكبر فى مجريات الأحداث، والقادرة على توفير إمكانيات التغيير السياسي فوق الخارطة العالمية إلى مباركة ودعم إنشاء الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، وقطع الوعود لها بتكليل جهودها ـ فى هذا الغمار ـ بالنجاح المرغوب.

2.     إن وجود تنظيمات أو كيانات معارضة منافسة على ساحة النضال الليبي، ذات قوة مستمدة من فكرتها وصواب إستراتيجيتها، أو كثرة تعداد أعضائها، أو إمكانياتها المادية الفائقة، هو إرباك وتشتيت لجهود المعارضة الليبية، التى يحتم عليها الظرف السياسي أن تندمج فى جبهة إنقاذ ليبيا الحائزة على مباركة ودعم القوى الدولية بإسقاط النظام الحاكم فى ليبيا.

3.     إن وجود تيارات ليبية معارضة، ومنافسة لجبهة الإنقاذ، قد يشوش لفترة وجيزة على نشاط الجبهة النضالي، لكنه لا يستطيع ـ مهما بلغت فاعلية نشاط هذه التيارات ـ أن يُغير من حتمية وصول الجبهة لمبتغاها فى إسقاط النظام الحاكم فى ليبيا. ومن هنا، فإن روح المنطق تفرض على أصحاب هذه التنظيمات أن يوفروا جهودهم وطاقاتهم المبذولة للوصول إلى غاية قد حُسم أمر بلوغها مسبقاً لصالح جبهة الإنقاذ.

 

** * **

 

وهنا لخصت للمقريف مجمل ردي على إقتراحه فى النقاط الأربعة التالية:

 

1.     إذا كانت فكرة الاتحاد الدستوري الليبي قد استهوته لدرجة يزمع معها على تبنى صلب نواتها القائم على مبدأ إعادة الشرعية الدستورية، فلا أظن أن حل كيان الاتحاد الدستوري الليبي وانضمام مؤسسيه وأعضاءه للجبهة يشكل ـ تلك ـ الأهمية التى تجعله يفرضه كشرط أساسي للبث  فى مثل هذا الأمر القائم على قناعته الثابتة به.

2.     إذا تم له ـ من خلال الجبهة ـ تبنى هذا التوجه المتمثل فى المطالبة بإعادة الشرعية الدستورية إلى نصابها المعهود فى البلاد، فلن يكن هناك أي ضير من وجود كيان الاتحاد الدستوري الليبي على أرض المعترك النضالي الوطني من عدمه ! فالاتحاد الدستوري الليبي ـ فى هذا الصدد ـ لا يقف حجر عثَّرةُ أمام قوى المعارضة الليبية الراغبة ـ منها ـ فى تبنى هذا التوجه.

بمعنى، إن الأمر ـ فى هذا الإطار ـ لا يعطي الحق للاتحاد الدستوري الليبي فى قصر فكرته القائم عليها توجهه النضالي على كيانه؛ فمثل هذا السلوك متاح أمره لكافة من يرغب فيه ويهواه، فليس هناك قانون يجرم تبنى فكرة سياسية ـ معينة ـ وتحويلها لإستراتيجية عمل نضالي من أجل تحرير الوطن، لأنها منبثقة عن جهة بعينها فحسب.

3.     فى حالة تبنى الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا لمبدأ الشرعية الدستورية، يصبح أمام مؤسسي الاتحاد الدستوري الليبي وأعضائه ـ حينئذٍ ـ الاختيار بين أمرين:

·        حل الاتحاد الدستوري الليبي والانضمام لكيان الجبهة ـ لمن يرغب منهم فى ذلك ـ كل على حدة فى هذا الأمر.

·        الاستمرار بكيانهم الصغير فى الظل والهامش الذى تتيحه لهم الجبهة فى إطار النضال الذى تخوضه من أجل تحقيق طموحات أفرادها فى إسقاط نظام الانقلاب العسكري، وهى فى هذا الخصوص الأكثر إمكانيات وقدرة وتكتيك. ومن ثمة سترجح كفتها ـ حتماً ـ فى تحقيق الغاية المأمولة، خاصة إذا وضعنا فى الحسبان ـ تلك ـ الوعود الدولية التى أشار المقريف إليها.

4.     إذا كانت المدارك الفكرية فى حيز النضال الوطني قد أملت على المقريف قناعة ـ راسخة ـ بعدم الالتفاف حول الملك إدريس (رحمه الله وطيب ثراه)، وهو الممثل القانوني للشرعية الدستورية فى ليبيا، بحكم اختيار الشعب الليبي له كحاكم شرعي قبيل الاستقلال ، وبقوة نص بنود الدستور الذى كان إعداده شرطا أساسيا لنيل ليبيا لاستقلالها.

فلماذا إذن، ذهب الدكتور محمد المقريف لزيارة الملك قبل الإعلان عن تأسيس الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا بفترة قليلة، وطلب منه أن يتنازل له عن الأمانة التى منحها أياه الشعب الليبي ؟!.

 

** * **

 

وحتى تكون الصورة واضحة للقراء ـ فى صدد هذا الموضوع ـ أي زيارة الدكتور محمد المقريف للملك إدريس، سأسرد فيم يلي حيثيات واقعة الزيارة كما حدثت بحذافيرها، وكما سمعتها من مصدرها الأصلي.

لقد تمت الزيارة المنوه عنها فى فترة التأهب للإعلان عن تأسيس الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا. حيث قام الدكتور محمد المقريف بزيارة الملك إدريس بترتيب ورفقة الحاج محمد السيفاط، تحت ذريعة نيل البركة والحوز على الرضا.

ولكن الدكتور محمد المقريف لم يلتزم بحدود برنامج الزيارة الأصلي المعد سلفاً ـ والذى بموجبه تم السماح له بإتمام تلك الزيارة ـ حيث قام بمفاجئة الملك من خلال مطالبته له بالتنازل عن الأمانة التى وضعها الشعب الليبي فى عنقه، وذلك بعد أن نالت منه الشيخوخة مبلغها العميق، ويدع الأمر للشباب لحملها من الآن فصاعدا . وأشار المقريف فى مجرى حديثه للملك إدريس ـ من باب تعزيز موقفه ـ إلى أنه قد حصل على مباركة الولايات المتحدة الأمريكية فى هذا الصدد.

لم يغضب الملك إدريس من كلام الدكتور محمد المقريف السابق فحسب، بل أن غضبه قد شمل الحاج محمد السيفاط الذى تراءى له فى تلك اللحظات أنه لم يتفاجأ بما أدلى به رفيقه من كلام يخالف الحجة التى تم سوقها له كسببٍ لتلك الزيارة.

ومن ثمة فقد تأكد له ـ فى حينه ـ بأن المقريف والسيفاط قد بيتا النية على أجندة مخالفة للسبب الذى تقدم السيفاط به إليه كحجة لإتمام تلك الزيارة. وهذا ما دعاه ـ من ثمة ـ إلى مطالبتهما بمغادرة الدار على الفور.

** * **

 

سقط فى يد الدكتور محمد المقريف، الذى ما كاد يسمع كلماتي ـ الآخيرة ـ التى كشفت فيها له عن أمر زيارته السرية للملك إدريس من أجل الحصول ـ منه ـ على إجازة تنازل عن شرعيته القانونية فى حكم البلاد لصالح جبهة الإنقاذ، حتى قام من مقعده الذى كان يجلس عليه، وأنتصب واقفاً، وكست ملامحه إمارات الغضب الجامح، فلقد كان أقصى ما يتصوره ـ المقريف ـ فى تلك اللحظات أن يكون لي علم بتفاصيل تلك الزيارة، التى ظن بأنها سر قد تم إيداعه فى طي الكتمان، ولا يعلم بأمرها أحد.

 

وفى ذات اللحظة التى أفصحت فيها للمقريف عن أمر زيارته للملك إدريس، وقبل أن ينبس بشفة كلمة، كان الشامس قد استدار بوجهه للناحية التى كان يقف بها المقريف، والذهول البالغ يغمر محياه، دون قدرة منه على إخفاء دهشته النافرة من على سيماء وجهه الحائر.

 

وعرفت عندئذٍ بإن الشامس لم يكن يعرف عن هذا الأمر شيئاً ! فقد نطقت قسمات وجهه الحائرة بعلامات الدهشة، معبرة ـ بذات نفسها ـ عن مكنون جهله بما سمع لتوه.

قال المقريف بصوت متهدج يغمره الغضب: " إنني بالفعل قد زرت الملك إدريس والملكة فاطمة، وذلك من باب الإكبار لهما، وتقديراً لشيخوختهما، وغربتهما التى فرضها عليهما نظام القذافي. وقد وجدتهما عجوزين مخرفين ، يعتقدان فى ذات أنفسهما بأن ليبيا عزبة بفلاحيها تم توريثها لهما عن أجدادهما ". وقد لاحظت ـ فى تلك اللحظات ـ تهلل أسارير الشامس بإمارات من السرور الغامر.

واصل المقريف حديثه قائلاً: " لم يكن هناك أي غرض آخر من وراء تلك الزيارة، خاصة الأسباب التى أتيت على ذكرها منذ قليل. ثم إن الدول العظمى قد تخلت عن الملك إدريس، ولم يكن مرغوبا فيه ـ من قبلهم ـ للاستمرار فى حكم البلاد. ولو كانت هناك رغبة دولية فى استمرار نظام حكمه، لما سمحوا للعسكر باغتصاب السلطة فى البلاد. ونحن فى الجبهة نحترم رغبة القوى العظمى فى هذا الصدد، هذا من ناحية. إما من الناحية الآخرى، فنحن فى الجبهة لا نحتاج لملك بلغ من العمر أرذله، لكى نحقق آمال الشعب الليبي فى التحرر من ربقة نظام حكم القذافي، خاصة أننا ـ فى هذا الخصوص ـ نملك وعودا أمريكية مسئولة بإسقاط نظام القذافى، وهى غير مشروطة بركوب صهوة إعادة النظام الملكي المخلوع، أو استخدام مبدأ إعادة الشرعية الدستورية للبلاد. ومن ثمة، فليس هناك أدنى مصلحة للجبهة فى مطالبة الملك إدريس بالتنازل عن شرعيته لصالح برنامج نضالها المكين ".

 

عقبت بالقول للدكتور محمد المقريف، بإنه من حقه أن يُبرر موقفه من تلك الزيارة، وأن يسوق ما يشاء من الأعذار حول الأسباب الحقيقية من وراءها، إما من جهتي فإني أعلم يقيناً بحيثياتها التى استقيتها من منبعها الأصلي، هذا من جهة.

إما من الجهة الآخرى، فله مطلق الحرية ـ فى ـ أن يتخذ موقفا معينا من الملك إدريس مبنياً على احترام رغبة الولايات المتحدة الأمريكية فى هذا الشأن؛ ولي ـ فى هذا الخصوص ـ الحق فى تبنى الموقف الذى أراه يشرفني، ويخدم قضية بلادي، ويراعي تقدير واعتبار الملك إدريس.

 

وهكذا، أنهى الدكتور محمد المقريف زيارته ـ لي ـ وهو لا يزال على غضبه واستيائه السابق، وتبع أثره ـ فى هذا النحو ـ عاشور الشامس.

 

** * ** 

وهكذا أنطبق علي قول الشاعر طرفة بن العبد:

" إِلَى أنْ تَحَامَتْنِي العَشِيْرَةُ كُلُّهَا        وَأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ البَعِيْـرِ المُعَبَّـدِ "

والمعنى من وراء بيت هذا القصيد ـ هنا ـ إنه بعد تلك الزيارة التى أغضبت الدكتور محمد المقريف ورفيقه، وجعلتهما يخرجان من منزلي مصحوبين بعاصفة من الغضب الكاسح، تغير وجه علاقة الصداقة والمعرفة التى كانت تربطني بكثير من الأشخاص المنضويين تحت جناح جبهة الإنقاذ وأولئك الذين لديهم اعتقاد بأنها البديل القادم لحكم القذافي.

فقد جرى تنفيذ عملية إقصاء وعزل وجفاء غير معلنة إزائي وإزاء أسرتي، تجلت كبرى علاماتها فى مناسبات الموت التى تتلاشى فى القلوب ـ عند نزولها ـ كافة الأحقاد والضغائن، فيسارع أصحاب الأفئدة السوية بمواساة ذوي الراحلين وأهلهم المكلومين بفاجعة فراق أحبابهم، ويتم الشد على أزرهم، وتثليج خواطرهم بسلوى الود وصدق العزاء.

اختارت آية الموت بحقها الساطع إبان فترة الثمانينات بضعة من أركان أسرتي فى مدينة بنغازي، فخاب أملي فى أن اتلقى العزاء فيهم من قبل بعض أفراد أهل وطني. وعلى سبيل المثال ـ وليس الحصر ـ تلقيت خمس مكالمات هاتفية لتعزيتي فى وفاة خالي لامين دربي، ومثلها ـ وربما أقل منها ـ عند وفاة صهري وجد أولادي الحاج مصطفى مْنينة.

وعندما توفى عمي محمود بن غلبون فى مدينة مانشستر، لم يزد عدد المشيعين لجثمانه الكريم من الأخوة الليبيين سوى أربعة أنفار لاغير، بينما شاركهم فى تشييع جنازته ـ بأضعاف مضاعفة ـ أخوة باكستانيون.

** * **

ولم يتم رفع عقاب ـ هذه ـ العزلة الإجتماعية التى ضُربت حولي، إلاّ بعد فشل الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا فى تحقيق وعودها التى قطعتها لإعضائها، والذى أدت نتيجته إلى انفصال كثيرهم عن كيانها.

حيث جدد الكثير من معارفي وأصدقائي السابقين علاقتهم الودية بي، وعاد بيتي يُشرع أبوابه لاستقبال زائريه الذين غابوا عنه بفعل موقفي السياسي، الذى أثار نقمة جبهة الإنقاذ ضدي.

وعلى هذا المنوال، جاءت أعداد غفيرة لتشييع جنازة شقيقي علي (رحمه الله) الذى وافته المنية بمدينة مانشستر فى سنة 1994م.

 

يـتـبـع ..

محمد بن غلبون

26 نوفمبر 2006

chairman@libyanconstitutionalunion.net

 

 

نشرت هذه الحلقة يوم الاثنين 27 نوفمبر 2006 على المواقع الليبية

"ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة"

   

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الثالث عشر

 

[2] الإعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي

 

رشاد بشير الهوني ..

 

لعل كثير من الليبيين ـ خاصة الفئة المثقفة ـ يعرفون الأستاذ رشاد الهوني (رحمه الله) حق المعرفة، فإسهاماته المبدعة فى مجال الكتابة ـ كانت ـ جلية الأثر فى أذهان معاصريه من القراء الذين تابعوا نتاجه الفكري فى حقل الصحافة الليبية.[1]

ولولا قصور إنتشار ـ وتداول ـ الصحف الليبية على القراء من أبناء الوطن الليبي، لكان بضعة من الكُتّاب الليبيين المتميزين، الذين يقع رشاد الهوني فى صدارتهم، قد وضعوا فى مصاف بارز بين جهابدة وأعلام فن الكتابة فى صحافة الوطن العربي.

قرض رشاد الهوني الشعر، وكتب القصة، وتأَلَّق فى مجال كتابة المقالة الصحفية، لكن أعظم إسهاماته قاطبة، والتى ـ لا شك لدي فى أنها ـ ستخلده كأحد رواد نشر الوعي الثقافي والسياسي فى المجتمع الليبي إبان تاريخه الحديث، هى المتمثلة فى تأسيسه وشقيقه محمد بشير الهوني (رحمه الله) لصحيفة الحقيقة فى سنة 1964م، والتى تولى رشاد إدارة تحريرها عقب إنشائها وحتى إغلاق دارها من قبل نظام الانقلاب العسكري ـ فى ليبيا ـ سنة 1973م.

فقد لعبت صحيفة الحقيقة بتوجيهات رشاد الهوني الرائدة دوراً هاماً فى توعية القراء بقضايا وطنهم الحيوية. وتبنت، فى نفس الوقت، جيل طليعي من الكُتّاب المبدعين الذين كونوا بفكرهم الخلاق ـ فى مجال الكتابة ـ مدرسة صحافية راقية، عملت على تغذية عقول الشباب الباحث عن هوية ثقافية فى فترة النشوء الأولى لدولتهم التى كانت تتحسس ـ فى تلك الآونة ـ خطاها نحو تحقيق التنمية الشاملة بأبعادها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ولعل الصادق النيهوم وخليفة الفاخري اللذين تبناهما رشاد الهوني صحفياً وقدمهما من خلال نتاجهما الفكري المبدع فى مجال الكتابة، خير مثال يمكن لنا الاستدلال به فى هذا الخصوص.

 

    ** * **

 

خلال فترة اتصالاتي بالشخصيات الليبية البارزة لتعريفهم بفكرة الاتحاد الدستوري الليبي ـ عقب تأسيسه ـ ودعوتهم للانضمام إليه والمشاركة فى نشاطاته الساعية لإعادة الشرعية الدستورية فى ليبيا، اتصلت بالأستاذ رشاد الهوني الذى جمعتنى به صداقة قديمة فى مدينة بنغازي، ورتبت معه موعداً للقائه.

استقبلني رشاد الهوني فى بيته الكائن بضاحية كنجستون أون تيمز الواقعة بأطراف مدينة لندن، لنتجاذب أطراف الحديث الودي المستمد لزاده من صداقتنا السابقة، وفى أعقاب ذلك قمت بطرح فكرة الاتحاد الدستوري الليبي عليه، وعبرت له عن رغبتي الصادقة فى انضمامه لكيانه، أو ـ على أقل تقدير ـ إسداء العون من خلال دعم نشاطاته المرسومة.

قال لي رشاد بعد أن ألم بكافة مناحى وأبعاد فكرة إعادة الشرعية الدستورية إلى البلاد ـ التى يرتكز على بنيانها كيان الاتحاد الدستوري الليبي ـ بأنها فكرة صائبة فى اختيارها كحل لقضية بلادنا المنكوبة بحكم نظام العسكر.

وأردف بالقول بأنه رغم  حبه لوطنه الذى لا يقارعه فيه أحد ـ بحسب ظنه ـ إلاّ أن التجربة المريرة التى قاسها من خلال سجنه ومحاكمته مرتين من قبل محكمة عسكرية غير شرعية، وغير مؤهلة، عقب انقلاب العسكر فى سبتمبر 1969م، قد تركت بصماتها الأليمة فى نفسه من خلال تخلى الأصدقاء قبل العامة عنه أثناء محنته التى اجترعها على ذنب لم يقترفه.

وقال رشاد الهوني بأنه لا توجد قوة فى الكون قادرة على نزع الحب الذى يكنه فى نفسه لليبيا، فهو فطرة تنبض بها عروق جسده منذ أن أدرك عقله الوعى الكامل للمفاهيم الفكرية والوجدانية لطبيعة الوجود.

لكنه ـ فى نفس الوقت ـ ليس هناك قوة تملك القدرة على إقناعه بالانخراط فى أي عمل سياسي بعد تجربته التى علمته أن الشعب الليبي لم يتشرب بعد الوعي الكافي الذى يدفعه إلى الذود عن حقوق الفرد فيه إذا أحاق به الظلم من قبل السلطة الحاكمة.

بمعنى آخر، يرى رشاد الهوني فى مجمل كلامه بأنه ليس هناك وعى كاف ـ فى ليبيا ـ يدفع بأبناء المجتمع للتضامن مع الفرد من بينهم عند الاعتداء على حقوقه الشخصية ـ الشرعية ـ أو عند اضطهاده أو قمعه أو تصفيته من قبل السلطة الحاكمة. فلا زال المجتمع الليبي يفتقر للوعى الشامل بمفهوم التكافل والتضامن والتكاثف والترابط الجماعي من أجل الدفاع عن حقوق أفراده وجماعاته وفئاته المختلفة عند تعرضهم لجور السلطة المستبدة.

ومن ثمة، فإن غياب هذا الوعى قد أدى بطبيعته إلى فقدان المجتمع لأهم إحدى خصائصه الأساسية فى حماية ـ والحفاظ ـ على حقوق وحرية أفراده الخاصة والعامة. فالوعى الجماعي بحقوق أفراد المجتمع، قيد النقاش، ضرورة لا يملك معها أفراده إمكانية الاستغناء عنه، فهو الضمير اليقظ ـ القابع ـ فى عمق وجدانهم الفكري، والذى تتكرس مهمته الأساسية فى الذود عن حقوقهم المشروعة إزاء السياسات المنحرفة لسلطة الحكم فى إطار الدولة التى يعيشون على أرضها.

بمعنى أكثر دقة، إن فى غياب الوعى المطلوب لا يخسر أفراد المجتمع أدواتهم الذاتية التى تنبههم إلى الخطر المحدق بهم عند اعتداء السلطة الحاكمة على حقوقهم المكفولة بموجب قوانين دولتهم المعنية؛ بل أنهم يخسرون فرصتهم فى تكوين القدرة على الرفض الواعي ـ والمسيس ـ لسياسات السلطة المنحرفة وإجبارها على رد الظلم الواقع عليهم، بالدرجة التى ـ قد ـ تصل إلى إسقاطها عن سدة الحكم إذا تطلب الموقف لمثل هذا الأمر.

والخلاصة هنا، إن الوعى الشامل لأفراد أي مجتمع يعلمهم ويربيهم على حقيقة بائنة، يتركز جل صلبها فى أن الاعتداء على حقوق فرد من بين أفراد مجتمعهم هو فى مضمونه ـ ونتائجه ـ إنما اعتداء على حقوق كافة أفراد المجتمع. لأن صمت أفراد المجتمع على اعتداء السلطة الحاكمة بالظلم على فرد من بينهم أو جماعة من ضمن فئات مجتمعهم المختلفة، هو فى حقيقته الساطعة تنازل منهم عن شرعيتهم الجماعية فى ممارسة حقوقهم السياسية، والتى يقع فى أعلى قائمتها تخليهم الطوعي عن إبداء آرائهم فى شئون حياتهم الذاتية، هذا من ناحية.

إما من الناحية الأخرى، فهو بمثابة إكساب السلطة الحاكمة رخصة ـ فى المدى اللاحق ـ لتكرار ممارسة انحرافها المسكوت عنه فيم سبق، وتقوية عضدها فى التمادى فى غي الانحراف عن ـ جادة ـ أصول الحكم القويم العادل.

فالأمر ببساطة ـ فى هذا الخصوص ـ يتلخص فى أن تخلى الجماعة عن التكافل مع حقوق الفرد، وتخلى المجتمع عن التضامن مع حقوق الفرد والجماعة، هو إيجاز ـ صريح ـ من الجميع بالرضا والقبول بسياسات السلطة الحاكمة المنحرفة، وإعطائها رخصة لتكرار سياساتها المنبوذة التى ـ لا مناص من أنه ـ سوف يتجرع الجميع مرارة كأسها السام بدون إستثناء.

إذن، لا يتم صمت أفراد المجتمع حيال انتهاك السلطة لحرمة حقوقهم المشروعة إلاّ فى غياب وعيهم الشامل، الذى تؤدى نتيجته الحتمية إلى سطو نظام الحكم ـ تباعاً ـ على حقوق كل فرد من بين أفراده على حدة ـ إذا اقتضت مصالحه ذلك ـ ويتم فى هذا الخضم السطو على حقوق جماعات وفئات المجتمع المختلفة بكاملها، الواحدة تلو الآخرى، وهذه حقيقة لا محالة من تجنبها إلاّ بتواجد الوعى الذى يدفع بطبيعته إلى تضامن كل فرد فى المجتمع بأسره مع حقوق أبناء مجتمعه من الأفراد الآخرين.

ومن هنا، فإن الأدوات الذاتية التى يخلقها الوعى لدى الفرد ليدافع بها عن حقوقه المشروعة، هى التى تحفز الجماعة فى داخل المجتمع ـ المعنى ـ لمناصرة الفرد فيها إزاء ديكتاتورية السلطة واستبدادها حقوقه، وهى التى تدفع المجتمع برمته ـ من ناحية أُخرى ـ إلى التضامن مع أفراده وجماعاته المختلفة؛ فرفع الظلم عن الفرد والدفاع عن حقوقه المشروعة ـ فى هذا المضمار ـ هو حماية ودفاع عن المجتمع ككل.

وهذا هو بيت القصيد فى فهم قضية بلادنا التى لم يطل الزمن بحكم نظام العسكر فيها، حتى بسط نفوذه على أفراد المجتمع بأسره، من خلال استخدامه لأدوات الإرهاب التى استطاع تدريجياً أن يحولها إلى إستراتيجية قمعية ثابتة وقادرة على شل فاعلية أفراد المجتمع فى رفض الظلم والثورة عليه بدعم أساسي وحيوي من غياب الوعى بينهم.

 

    ** * **

 

لقد كان لشرح رشاد الهوني المستفيض الذى لخصت معناه فى الفقرات السابقة، إيماءة ـ منه ـ إلى ضرورة وجود الوعى الكافى بين أفراد المجتمع الليبي قبل إقدام أية فئة من أفراده على عمل معارض للنظام العسكري القائم فى ليبيا، يُزمع من وراءه تقويض حكمه الفاسد.

ويرى رشاد الهوني من خلال رأيه المذكور أعلاه بأن الخذلان سيكون من نصيب أصحاب أي توجه سياسي معارض من هذا القبيل، وذلك بسبب من السلبية التى سيواجهون بها من قبل أفراد المجتمع الليبي المفتقدين للوعى، وهو ـ فى هذا المضمار ـ الأداة المساعدة لخلق الرفض الجماعي، فى داخل وجدانهم، لسياسات السلطة المستبدة.[2]

 

    ** * **

 

وهكذا، أسر لي رشاد الهوني بأنه لا يمكن له ـ والحال كذلك ـ أن يشترك فى أي عمل سياسي معارض، منطلقاً فى ذلك من قناعة خاصة تشتمل على موقف إتخذه إزاء كافة التوجهات الليبية المعارضة المتواجدة فى الخارج بدون إستثناء.

ثم عقب قائلاً، بأنه لو أراد فى يومٍ الانخراط فى نشاطات إحدى توجهات المعارضة الليبية المختلفة، لإختار من بينها توجه يسعى لأحد أمرين، أو كلاهما معاً. الأمر الأول أن يكون عمل هذا التوجه وهدفه الأساسي يتركز وينصب فى السعى لإعادة الشرعية الدستورية إلى البلاد.

والثاني أن تقوم مبادئه على مراعاة مكانة الملك إدريس الأثيرة   بالنسبة لليبيا ولليبيين، وذلك من خلال الالتفاف حوله، واتخاذه رمزاً  لتلك الشرعية المنشودة. وهذا بطبيعة الحال متوافر فى كيان الاتحاد الدستوري الليبي.

 

    ** * **

 

أشار رشاد الهوني إلى أن الأسباب التى كونت قناعاته السالف ذكرها قد تولدت نتيجة لعاملين، أحدهما يكمن فى إيمانه العميق بأن الحل المنشود لعودة ـ واستقرار ـ مجريات الحياة السياسية فى ليبيا مرهون بإعادة الشرعية الدستورية لنصابها الطبيعي الذى كانت عليه قبل الانقلاب العسكري، لأنه فى ظل وجودها يستكن صمام الأمان الذى يحفظ للمواطن حقوقه الدستورية المشروعة، ويحميه ـ بالتالى ـ  من كبوات انحراف السلطة الحاكمة.

والآخر يكمن فى إيمانه المطلق بالالتفاف حول شخص الملك إدريس، والتمسك به كرمزٍ لقيادة الدولة الليبية. لأنه ـ وبغض النظر عن كونه ـ يمثل الشرعية الدستورية ذاتها، من خلال اختياره من قبل غالبية أفراد الشعب الليبي فى مرحلة التأهب لنيل البلاد لاستقلالها ، كنتيجة لإخلاصه ووفاءه للوطن، وكفاحه وأسرته لدهور طويلة من أجل تحقيق الهدف المأمول فى حصول ليبيا على استقلالها . فأنه هناك أسباب شخصية، تخص رشاد الهوني وأفراد أسرته، وتحثهم على حمل أسمى مشاعر الإخلاص والوفاء فى أنفسهم تجاه الملك إدريس والحركة السنوسية.

أردف رشاد الهوني بالقول فى مجمل تفسيره للأسباب الشخصية التى خلقت مشاعر الإخلاص والوفاء فى وجدان أفراد أسرته تجاه الملك إدريس، بأنها قد سرت إليهم من خلال التربية التى استقوها من والدهم فى الصغر، واستمروا فى تلقيها ـ منه ـ عبر مراحل نموهم نحو الكبر.

فقد كان السيد بشير الهوني ـ والد رشاد ـ أحد الأخوان السنوسيين الذين تربوا على تعاليم الحركة السنوسية وأخلصوا لها، بعد أن لمسوا ـ عن قرب ـ سماحة أهدافها التى كانت تصبو فى جلها إلى توعية أفراد المجتمع الليبي بدينهم الإسلامي، وحثهم على التمسك بتعاليمه الحنيفة من ناحية، والعمل على إجلاء المستعمر الأجنبي عن أرض بلادهم من ناحية أُخرى.

وقد قال لي رشاد الهوني ـ فى هذا السياق ـ بأنه قد تربى ونشأ فى بيت سنوسي، بالدرجة التى جعلت والده يطلق عليهم أسماء بعض أفراد الأسرة السنوسية الذين كان يبجلهم ويكن لهم الإحترام والتقدير، فى تعبير صادق ـ منه ـ عن التيمن بهم وبسلوكهم القويم، فأخوه الأكبر محمد قد وهب أسم مؤسس الحركة السنوسية السيد محمد السنوسي (الكبير)، وأخوه الآخر تم تسميته إدريس، بينما سمى شقيقه الأصغر السنوسي.

وهنا توقف رشاد الهوني لبرهة، ثم تابع حديثه قائلاً، بأنه لا يجب أن يذهب ظني إلى أن اسم رشاد لا يمت لأسماء العائلة السنوسية بصلة، بل إنه اسم أحد أشقاء الملك إدريس، الذى اختاره الله إلى جواره بعد ولادته مباشرة.

ولعله جديراً بالذكر ـ فى هذا السياق ـ أن رشاد الهوني قد أدلى بهذه المعلومات التى تشهد على مدى جيش مشاعره ـ وأفراد أسرته ـ بحب الملك إدريس والحركة السنوسية، أمام ما أُطلق عليه ـ تجاوزاً ـ محكمة الشعب، التى عقد نصابها ضباط الإنقلاب العسكري عقب إستيلائهم على السلطة فى ليبيا عام 1969م.

 

    ** * **

 

وهكذا، عبر رشاد الهوني عن مكنون إقتناعه بصواب توجه الاتحاد الدستوري الليبي، لكنه فى نفس الوقت اعتذر عن الانضمام إليه أو لأي توجه ليبي معارض آخر، وذلك بسبب من تجربته المريرة التى ألقت بظلالها على نظرته الشاملة لأبعاد القضية الليبية.

أستمرت أواصر الصداقة الحميمة بيني وبين رشاد الهوني حتى وفاته فى مطلع عقد التسعينات من القرن المنصرم، رحم الله رشادا وجعل مثواه الجنة، فقد كان أحد فرسان الكلمة، وصاحب رسالة حق، وذا شهامة تسبقه بسمعتها الطيبة أينما حل.

 

يتبع ..

محمد بن غلبون

26 يناير 2007

chairman@libyanconstitutionalunion.net

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] فى مقالة حول شخصية الصادق النيهوم، تناول الكاتب الليبي أبو زيد الهلالي فى حيثياتها بعض القسمات البارزة فى شخصية وحياة رشاد الهوني، والتى تم نشرها فى موقع ليبيا وطننا، تحت الرابط المدون أدناه، لمن يرغب من القراء فى الإطلاع عليها.

http://www.libya-watanona.com/adab/blehlali/bh29123a.htm

[2] لعل رشاد الهوني كان متأثراً فى هذا الخصوص بتجربته الذاتية، التى أخلص فيها لقضية الوطن، بعطاء سخى تم تتويجه ـ فى وقت مبكر ـ بتأسيسه لصحيفة الحقيقة التى أصبحت مناراً ثقافياً لجيل القراء المعاصر لها، بعد أن حولها إلى منبر لنشر الوعى من خلال إبداع ووطنية كتابها المميزين.

ومن جهة أُخرى، لم تكن إدارته لتحرير صحيفة الحقيقة بالأمر الهين السهل، فقد جابهته إعصارات عاتية من المشاكل العويصة التى كادت ـ فى وقت ما ـ أن تعصف بكيان صحيفته بسبب من جرأة الكلمة وشجاعة الرأي ومصداقية النقد التى تبناها كخط لا يُحاد عنه فى صحيفته منذ لحظة تأسيسها وحتى يوم إغلاقها بقرار ـ تعسفى ـ صادر عن قيادة النظام العسكري الحاكم.

ومن هنا، فقد كانت صدمته فادحة عندما أقدم نظام الانقلاب العسكري على محاكمته وإغلاق صحيفته ـ فى غمار سياسته الرامية إلى القضاء على حرية التعبير وإبداء الرأي فى البلاد ـ فى جوٍ ساده السلبية التامة من قبل كتاب الصحيفة وعامة القراء، وانفضاض الأصدقاء من حوله.

 

 

نشرت هذه الحلقة يوم السبت 27 يناير 2007 على المواقع الليبية

"ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة"

   

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الرابع عشر

 

[2] الإعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي

 

أحمد لنقي ..

كان أحمد لنقي من ضمن مجموعة من الأصدقاء القدماء الذين نشأت صداقتي بهم فى فترة مبكرة من العمر، تعود ـ فى مداها ـ إلى مرحلة الصبا فى مدينة بنغازي. ولذا، فقد كان من الطبيعي أن أُسارع إلى إلاتصال به، ومن ثمة القيام بزيارته فى منزله بمدينة لندن ـ بعد أن إختارها مكاناً لإقامته ـ وذلك من أجل شرح فكرة وأهداف الإتحاد الدستوري الليبي، ودعوته للإنضمام لكيانه.

تكرر المشهد، فى زيارتي لـ أحمد لنقي، مثلما قدر له ـ من قبل ـ مع العديد من الأصدقاء الذين ألتقيتهم فى فترة الإعلان والتعريف بالإتحاد الدستوري الليبي وبفكرته وأهدافه المأمولة. حيث إستمع ـ لنقي ـ لشرحي بإهتمام بالغ، وعبر على الفور، عن إعجابه بالفكرة التى يقوم على أساسها الإتحاد الدستوري الليبي وبإهدافه المنشودة؛ لكنه فى ذات الوقت، إعتذر عن إمكانية الإنضمام لنشاطاته المقترحة !.

 

** * **

قال لي أحمد لنقي فى مجمل ـ معنى ـ تبريره لعدم إمكانيته الإنضمام إلى الإتحاد الدستوري الليبي، بإن ذلك يرجع لإنهماكه ـ حينذاك ـ بتفعيل نشاط جماعته التى ألفها من أجل إتباع منهج الطريقة الخليلية[1].

فهو فى غاية الإنهماك والإستغراق بكامل أحاسيسه وحواسه فى العمل على توسيع قاعدة جماعته فى الطريقة الخليلية، من خلال الترويج لها ونشرها بين أفراد الجالية الليبية فى بريطانيا وبعض دول المهجر الأخرى. وهذا ـ بطبيعته ـ يتطلب منه تكريس جل وقته وما تسعه طاقته من جهد لتحقيق هذا الهدف المرصود.

وتابع قائلاً، بإنه ليس فى نيته على الإطلاق، فى هذا الخصوص، أن يكون له أي إرتباط بالتوجهات السياسية للمعارضة الليبية المنتشرة فى الخارج، وذلك لأن طبيعة توجهه الذى تبناه من خلال الطريقة الخليلية، يُعد توجه ديني ـ صوفي ـ لا علاقة له بالمجريات السياسية التى تخوض فيها تنظيمات المعارضة الليبية. ولهذا فهو يُفضل الإبتعاد عن المشاركة فى أية نشاطات من هذه الصبغة حتى لا يُعرض نفسه ورفاقه لمخاطر المواجهة مع النظام الحاكم فى ليبيا، هذا من جانب.

غير أنه، إستطرد قائلاً، بإن إقتناعه بصواب فكرة الإتحاد الدستوري الليبي، ويقينه بصحة توجه فكرته، إضافة للمحبة الصادقة التى يكنها للملك إدريس، والتى تشربها من جده يوسف لنقي]2]، تملىء عليه وتجبره كواجب وطني، على تقديم المساعدة المالية لدعم نشاطاته المرسومة من أمواله الخاصة، وهذا أضعف الإيمان.

 

وعلى الرغم من أنني كُنت أتمنى أن ينضم هذا الصديق الأَثير لكيان الإتحاد الدستوري الليبي حتى يقوى من عضده بصلاته الواسعة، إلا إنني راعيت عذره وإنشغاله بتطوير نشاط جماعته المتمثل فى الطريقة الخليلية.

ومن ناحية أُخرى، فرحت بوعده الكريم الذى قطع فيه على نفسه عهداً بالمساهمة فى تمويل الإتحاد الدستوري الليبي من حر ماله، إضافة لمساهمات أُخرى سيقوم بمحاولة جمعها بنفسه من أقرانه ورفاقه المقتدرون.

 

** * **

وكما هو الحال مع بعض الشخصيات الليبية التى تم ذكرها فيم سلف من أجزاء هذه المقالة، ذهبت وعود أحمد لنقي بالمساهمة المالية فى نشاطات الإتحاد الدستوري الليبي، والعمل على جمع المساهمات من بعض الآخرين أدراج الرياح.

وبهذا السلوك غير المبرر يكون لنقي قد إنضم لبعض أنفار من الشخصيات الليبية التى إلتقيتها فى غمار التعريف بفكرة الإتحاد الدستوري الليبي، والتى عبر أصحابها عن عدم وفائهم بإلتزاماتهم التى تعهدوا بها، وتبرموا لوعودهم التى قطعوها ـ لي ـ فى قضية لا تحتمل فى خوضها الهزل، لأنها تتعدى بجديتها وأهميتها حدود الحسابات الذاتية القاصرة.

 

** * **

وشاءت الأقدار أن أكون على علم وافى بحقيقة السبب الذى دعى أحمد لنقي إلى عدم الوفاء بوعده الذى قطعه على نفسه وتعهد لي بتنفيذه، والذى ـ كان ـ يكمن فى ريبته من أن تؤدى مساهمته الماليه لدعم نشاطات الإتحاد الدستوري الليبي إلى إحياء فاعلية الحركة السنوسية من جديد، لتكن منافساً لكيان جماعته (الطريقة الخليلية)، وهذا ما يُعد من منظوره الخاص منافسة لا تحتمل الدخول فى غمار معتركها !.

بمعنى آخر، لقد إعتقد أحمد لنقي ومن فى معيته من مريدي الطريقة الخليلية، إن فى المناداة بالملك إدريس السنوسي رمزاً يمثل الشرعية الدستورية المهدورة، كأحد أدوات العمل التى يتبناها الإتحاد الدستوري الليبي فى برنامجه، ويهدف من ورائها إلى إعادة الشرعية الدستورية إلى نصابها السابق فى البلاد؛ هو فى وجهه الآخر إعادة لنشاط الحركة السنوسية إلى عهدها الذى كانت عليه فى البلاد.

وهذا بدوره سوف يلقى بظلاله القاتمة على نشاط أية حركة دينية أُخرى تعمل على نفس المنوال أو ما يشابهه. ويعنى بالتالي، ومن وجهة نظر أصحاب الطريقة الخليلية، إلى إصابة نشاط جماعتهم الواعد ـ فى نهاية الأَمر ـ بالشلل والتجمد، فى حالة تحقيق الإتحاد الدستوري الليبي لأهدافه المنشودة.

ولعل المراقب ـ الخبير ـ المتمرس، صاحب الدراية التاريخية بالشأن الليبي، سيرى على الفور مدى سذاجة وقصور مثل هذا التصور الذى هيمن ببساطته وضآلته على تفكير أحمد لنقي وصَحْبه، من أمثال الشيخ حبيب الصابري، والرائد أحمد بن حليم]3] فى هذا الخصوص، وجعلهم ـ ليس فقط ـ يقتنعون بوجهته الخاطئة، بل ويتبنونه كإستراتيجية نافذة أثناء تعاملهم معي.

لقد إستخدم لنقي ورفاقه ـ أصحاب الطريقة الخليلية ـ كافة الوسائل المتاحة لديهم، من أجل إبعادي عن المضي قدماً فى تفعيل نشاط الإتحاد الدستوري الليبي؛ حيث قاموا بإستخدام سياسة الترغيب والترهيب، التى إمتطى الشيخ حبيب الصابري فيها ـ عند تعامله معي ـ صهوة اللين والترغيب، واستعمل الرائد أحمد بن حليم وسيلة التهديد والترهيب !.

فقام الأول بالإستفاضة فى إطلاق وعوده بتنصيبي فى أعلى المراتب الروحية لطريقتهم الصوفية، بحيث أتولى رئاسة دائرتهم فى بريطانيا فور إنضمامي لنشاطها المتبع. وأطلق الثاني العنان لتهديداته النارية، التى لن يُعفيني من جم حممها ـ حسب قوله ـ سوى إنضمامي الفوري لطريقتهم الصوفية والتخلى عن ممارسة أي نشاط آخر !.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أصبحت مثاراً لسخريتهم فى مجالسهم الإجتماعية، التى صاحبت فترة رئاسة أحمد لنقي للجماعة المعنية، وإمتدت لفترة رئاسة خلفه ونيس التاجوري الذى تولى رئاسة الجماعة عقب إنتقال أحمد لنقي لمصر، واستمرت حتى فترة رئيسها الحالي سالم بدر، لتتحول فى عهده إلى حملة شعواء تكتنفها تشنيعات غير واقعية بسمعتي، من خلال إطلاق بعض الإفترءات الباطلة.

 

** * **

وهنا، أجد من الجذير بالذكر أن أُعدد للحقائق التى تدحض وجهة نظر التصور السابق وتفنذه، وذلك حتى لا تحيد أرآئي عن الموضوعية التى إلتزمتها وجعلتها نصاباً قائماً منذ أن شرعت فى كتابة هذه المقالة التوثيقية، هذا من جانب.

إما من الجانب الآخر، فإن هذه الحقائق ـ التى سيتم الحديث عنها فيم سيلي ـ تتداخل وتشترك مع وجهة نظر أُخرى تبنتها جماعة الأخوان المسلمون فى نفس المضمار، وفى ظروف مشابهة، سوف أشرح لها فى الجزء القادم من هذه المقالة، وذلك عندما يتم الحديث عن الحاج عبد الله بوسن.

 

** * **

وهكذا، فإنه يكمن فى هذه الحقائق ـ التى سيتم إدراجها فيم يلي ـ جوهر الوقائع التاريخية الدامغة، التى تُبطل وجهة التصور السابق، الذى إنتهجه أحمد لنقي وصَحْبه إزاء توجه الإتحاد الدستوري الليبي، والذى أنبعث من خشيتهم وخوفهم من نشاطه الهادف إلى إعادة الشرعية الدستورية تحت زعامة رمزها وممثلها الملك إدريس السنوسي، لأنه يُشكل ـ من وجهة نظرهم ـ تهديداً لوجود كيان جماعتهم الصوفية، ويبدد الأمل فى تحقيق أحلامهم وطموحاتهم المعقودة، من خلال فتحه الباب على مصراعيه لإحياء نشاط وعمل الحركة السنوسية، ذلك الند الذى لا يمكن مجارته فى هذا الإطار !.

ولأترك القارىء مع هذه الحقائق، الكامن فى جوهرها الأسباب التى توضح ـ له ـ بجلاء عدم صحة هذا التصور الذى لم يستند فى طرحه على أدنى أسس المنطق أو التفكير العقلاني:

  1.     إن الحركة السنوسية تختلف فى تكوينها وهدفها الذى أُنشئت من أجله عن معظم أوجه تكوين وأهداف الحركات والجماعات الدينية السائدة فى العالم العربي. وبغض النظر ـ هنا ـ عن أوجه الشبه المحدودة التى تجمعها ببعض حركات التأصيل والتحرير التى سادت بعض مناطق العالم العربي فى القرن التاسع عشر، مثل الوهابية فى الجزيرة العربية، والمهدية فى السودان، والتى تطلعت جميعها للتاصيل الإسلامي، والعمل على توحيد العشائر والقبائل المتنافرة فى إطار دولة واحدة، وتحفيز نعرة مقاومة الإستعمار بين أفراد شعوبها.

إلاّ أن الدارس المهتم ـ والمتمحص ـ سيجد أن نشاط الحركة السنوسية، عند إمعان النظر فيه، يختلف عن كافة أنشطة معظم الحركات الدينية التى سادت المنطقة العربية خلال القرنين المنصرمين، من جانب أنه يهدف ويدور ويتركز حول تنوير وتوعية أفراد المجتمع الليبي بشئون دينهم، من أجل مساعدتهم على إقامة وبناء كيان إجتماعي قويم تسوده وتنظمه أسس وشرع التعاليم الإسلامية السامية، دون التطلع من وراء ذلك إلى دورٍ قيادي فى إطار الدولة الشاملة، الذى تمثله فى هذا السياق دولة الإستقلال، وبصرف النظر ـ فى هذا الخصوص ـ عن دورها الرائد فى قيادة الجهاد وتحقيق الإستقلال ذاته للدولة المعنية.

  2.     إن الحركة السنوسية التى قامت أسسها على تنوير وتوعية أفراد المجتمع الليبي بأصول دينهم الحنيف، قد أدت دورها ـ هذا ـ على أكمل وجه فى الفترة الواقعة بين نشأتها على يد السيد محمد علي السنوسي فى النصف الآخير من القرن التاسع عشر وحتى وقوع الإحتلال الإيطالي فى سنة 1911م. حيث أزهرت ثمار جهودها فى هذا الخصوص بإلتفاف إتباعها حول لواء رآية الجهاد التى رفعتها عندما وطأت أقدام جحافل العدو الإيطالي الغاشم تراب الوطن.

ولم يكن للحركة السنوسية ـ فى هذا الصدد ـ أن تحقق ذلك الإلتفاف من حولها بدون نجاحها أولاً، فى نشر الوعي واليقظة الدينية بين الكثير من أفراد المجتمع الليبي بهدى وإشراف مؤسسها، وأبناءه من بعده ـ على مدى عقود طويلة ـ ليزاح بفضلها، عن صدورهم، تلك الغشاوة التى خلفها العهد التركي فى النفوس أثناء فترة حكمه الآخيرة للبلاد، والتى تسبب ـ فى غضونها ـ فى تشويه المفهوم الديني النقي للإسلام فى أفئدتهم.

3.     لقد آل نشاط الحركة السنوسية الريادي إلى التلاشى بعد أن تكلل جهاد الليبيون تحت زعامتها بنيل إستقلالهم، وذلك برغبة من الملك ـ الراحل ـ إدريس السنوسي، فرضتها عليه أصول منطق الواقع عند توليه لزمام حكم البلاد فى ديسمبر 1951م. حيث ارتأى فى هذا الصدد إنتفاء ضرورة وجودها لسببين:

·        عدم وجود حاجة لدورها الذى إضطلعت به أبان فترة الجهاد ضد الإحتلال الإيطالي لأرض الوطن، والذى قامت فيه بالتحفيز للجهاد عن طريق إذكاء نعرة المقاومة الدينية بين صفوف المتحمسين من أعضاء قاعدتها العريضة، التى كونتها من بين أبناء بقاع مختلفة من البلاد عبر العقود التالية لتأسيسها، لتصنع منهم مجاهدون يقاتلون من أجل إجلاء جند العدو الأجنبي المحتل لربوع بلادهم؛ وبمجرد تكلل كفاحهم بالحصول على الإستقلال، إنتفت الحاجة لدور الحركة السنوسية فى التحفيز على الجهاد.

·        كما فرض واقع الحال، من ناحية أُخرى، إلى إنتفاء ضرورة إضطلاعها بأمر التوعية الدينية التى قامت بمهامها ـ فى أثناء وقبل ـ فترة الجهاد ضد الإحتلال الأجنبي، والذى توجت جهودها خلالها بفلاح منقطع النظير.

 

والخلاصة، فى هذا الصدد، إنه لم يعُد هناك ضرورة منطقية لوجود الحركة السنوسية[4] بعد أن نالت ليبيا إستقلالها، وإنتقلت بمجتمعها ـ المتباين ـ لنظام الدولة العصرية، الحاضنة فى هيكلها لكافة بنيان التركيبة السكانية فيها، والشاملة لكافة التشريعات المنظمة لكيان أركانها المختلفة.

فقد أصبحت التوعية الدينية والأشراف عليها، بعد الإستقلال، من مهام الدولة الجديدة عبر قنواتها الإدارية المتخصصة فى هذا الشأن (إدارة الأوقاف، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة الإعلام).

 

ولا يجد المرء ـ فى هذا المضمار ـ إلاّ أن ينظر بكل إكبار وتقدير للملك إدريس السنوسي (رحمه الله) على مدى ثقب رؤيته، وبعد نظره المدرب بوعي سياسي عميق، لكونه قد صرف النظر عن خلق دور للحركة السنوسية فى داخل الدولة الليبية بعد الإستقلال.

ولعل ذلك كان السبب وراء عدم تحول هذه الحركة إلى كتلة نخبوية أو حزب سياسي ـ مدلل ـ له الأثرة فى الإستحواذ على بعض أوجه السلطة والنفوذ فى داخل إطار الدولة الليبية حديثة الإستقلال، مقارنة بما حدث فى كثير من دول المستعمرات القديمة، التى قادتها حركات ـ دينية وغير دينية ـ فى مرحلة الكفاح من أجل الحصول على الإستقلال، وتحولت هذه الحركات الطليعية فى فترة ما بعد الإستقلال إلى أحزاب تُهيمن على الحكم بواقع سطوة تاريخها الكفاحي.

وربما يستبعد البعض حدوث مثل هذا السيناريو ـ فى ليبيا ـ فى ظل الدستور الذى سُن لأجل أن يقنن لعملية ممارسة السلطة، ويضمن ببنود لوائحة المشرعة الفصل بين الفروع الثلاث الأساسية فيها.

وهنا، لا يسع المرء، إلاّ أن يحتكم فى رده على مثل هذا الإستبعاد بواقع الأمر المعاش فى عالمنا المعاصر، الذى تكرر فيه حدوث مثل هذا السيناريو لحركات أعتلت قمة هرم السلطة فى بلادها برخصة إضطلاعها فى عهد الإستعمار بقيادة أفراد شعوبها لمقاومة الإحتلال، وتحقيق إستقلالها ( جبهة التحرير فى الجزائر، من باب المثال).

خاصة إذا علمنا أن أَمارات التخلف الفكري والثقافي، وإنعدام الوعي السياسي هو سمة تشترك فى إقتنائها معظم دول المستعمرات القديمة، التى لم تخرج من معاركها الضارية ضد الإستعمار إلاّ بحريتها الوطنية، مجردة فى ذات الوقت ـ فى عرى واضح ـ من الوعى السياسي والثقافى، الذى تحتاج بشدة بالغة إلى كسائه لتحقيق مشروع النهضة الشاملة، المقدمة على بنائها فى مرحلة ما بعد الإستقلال.

بمعنى آخر، إن حالة التخلف السياسي والثقافي، وإنعدام الوعي بين شعوب تلك الدول ـ بشكل عام ـ لم يكن السبب فى قفز المجموعات التى قادت حركة مقاومة قوى الإستعمار إلى سدة الحكم فى بداية عهد الإستقلال فحسب، بل أنه المسئول الأول عن جعلها فريسة سهلة لإختلال موازين الحكم فيها ـ بقدر ـ دفع إلى تسرب الفساد والمحسوبية إلى نظمها، وأدى بالتالي إلى فتح الأبواب على مصراعيها لعتيان موجة حكم الأنظمة العسكرية، التى وجد صغار ضباط جيوشها فرصتهم السانحة للقيام بإنقلاباتهم غير الشرعية، والإنقضاض على دفة الحكم فى تلك البلاد، فى مغامرة محسوبة، يقودهم النجاح فيها إلى تحقيق الثراء والشهرة، والإستحواذ على صولجان قوة السلطة.

وفى المقابل، نجد أن مثل هذا الأمر لا يمكن له الحدوث على أرض الواقع فى الدول التى تتسلح شعوبها بالوعى السياسي الكافى، حيث يردع وعيهم السياسي بحقوقهم الشرعية، ومقدراتهم الوطنية، أية زمرة من ضباط الجيش تسول لها أوهامها القيام بمغامرة عسكرية لقلب نظام الحكم.

بمعنى، إن هذه الشعوب الواعية تقف بالمرصاد لقراصنة الإنقلابات العسكرية، وتُعيدهم على الفور لثكناتهم التى انطلقوا منها لتنفيذ مؤامرتهم الكريهة، وتحاكمهم، وتنزل بهم العقاب المناسب، جزاء تعديهم ـ بطرق غير مشروعة ـ على حقوقها الشرعية، ولعل ماحدث فى اليونان أبان عقد السبعينات من القرن المنصرم خير مثال يمكن الإشارة إليه فى هذا الخصوص.

 

** * **

وعودة إلى جوهر الموضوع الأساسي، المتعلق بخشية أحمد لنقي وصحبه فى الطريقة الخليلية من منافسة الحركة السنوسية لنشاط جماعتهم إذا عاد الملك إدريس إلى حكم البلاد !.

لعل القارىء فى هذا الصدد يكون قد ألم بالحقائق السالفة الذكر، والتى توضح بما لا يدع مجالاً للشك أن الحركة السنوسية فى عهد الحكم الملكي، لم تكن فى يوم مصدر تهديد لأية حركة دينية أُخرى تواجدت على أرض ليبيا. وذلك للأسباب التالية:

·        إن نشاط الحركة السنوسية السابق على الإستقلال قد توقفت فاعليته عن الممارسة والتطبيق فى أرض الواقع بعد الإستقلال مباشرة، وذلك لإنتفاء الحاجة إليه، كما سبق الشرح أعلاه. ولم يبق ـ منها فى هذا الخصوص ـ على أرض الواقع سوى رمزها التراثي المتمثل فى بعض زواياها وعلى رأسها زاوية الجغبوب[5]. حيث تخلت السنوسية ـ فى هذا السياق ـ عن دورها السابق كحركة تأصيلية وقيادية، ليستمر وجودها كطريقة صوفية، مثلها فى ذلك، مثل بقية الطرق الصوفية الآخرى المنتشرة فى ليبيا، والتى تواجدت على أرضها لفترة طويلة من الزمان، حافظت فى أثنائها على هويتها الإسلامية.

·      إن الملك إدريس السنوسي (رحمه الله) لم يكن فى يوم حجر عثرة أو عائق أمام أية حركة دينية يقوم نشاطها على الشئون الدينية البحثة، والدليل على ذلك يمكن الإستدلال عليه بوضوح من خلال نشاط العديد من الجماعات والطرق الصوفية المنتشرة فى ليبيا قبل الإستقلال وبعده (على سبيل المثال: الرفاعية، والمدنية، والعيساوية، والقادرية، والدرقاوية، والسلامية، والعروسية).

 

** * **

وهكذا، بعد فترة لاحقة، كان أحمد لنقي قد إنضم وصحبه إلى الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا ! ليصبح فى وقت قصير من أبرز أعضائها، وليثمر تقاربه الحميم مع أمينها السابق محمد المقريف بمصاهرة تزوجت فيها أبنته من أبن المقريف.

 

يتبع ..

محمد بن غلبون

1 مارس 2007