Libyan Constitutional Union

 

http://www.libyanconstitutionalunion.net  

&

http://www.lcu-libya.co.uk

 

 

 

 
 
تخصص هذه الصفحة لنشر  مقالات الأستاذ محمد القزيّري (رحمه الله) التي كتبها عقب انخراطه في صفوف مؤسسي الاتحاد الدستوري الليبي، وذلك لتعريف الأجيال الجديدة وقراء الانترنت بفكر هذا الأديب المبدع وأسلوبه في الكتابة.
 
ولعل مقالة  "خواطر طائشة من وحي خطاب شرس أُلقي في أكتوبر 1982" التي تعد من أفضل ما كتبه الفقيد هي خير ما نستهل به هذه السلسلة، وقد كتبها (رحمه الله) بعد الاستماع لخطاب ألقاه القذافي في 7 أكتوبر 1982 بمناسبة الذكرى السنوية لإحدى الإنتصارات الوهمية التي أدخلها نظام الانقلاب إلى قائمة الأعياد الوطنية المزعومة بدلاً عن الأعياد الوطنية الحقيقية التي ألغاها وأنكر وجودها (مثل الذكرى الواحدة والثلاثين لإعلان الدستور الليبي التي صادفت تاريخ إلقاء ذلك الخطاب). وقد كان من المقرر أن تنشر هذه المقالة في 24 ديسمبر من ذلك العام إحياءً للذكرى الواحدة والثلاثين لعيد الاستقلال المجيد، إلا أن موانع مادية حالت دون ذلك، وبقت مع غيرها في ملفاتنا حتى هذه المناسبة الحزينة.

 

*   *   *   *   *

*   *   *

*

 

 

  •  

 

 

 

*   *   *

*

 

 

 

خواطر طائشة من وحي خطاب شرس ألقي في أكتوبر 1982م

(النسخة المطبوعة)

بقلم : محمد حسين القزيّري (رحمه الله)


اعداد وتقديم : هشام بن غلبون

25 نوفمبر 2007


 

سبق وأن تم نشر نسخة مصورة من هذه القطعة الأدبية الرائعة من أعمال الراحل الأستاذ محمد القزيّري (رحمه الله) بتاريخ 18 نوفمبر2007 على عدد من المواقع الليبية مع وعد بنشرها مطبوعة لتسهيل قراءتها والعثور عليها عن طريق محركات البحث متى تطوع أحد الأخوة بإعادة طباعتها*.

وقد سارع الأخ الكريم الدكتورعبد الباسط بواحميدة  بالتطوّع بإعادة طباعتها "هدية لروح الفقيد"، فله جزيل الشكر والعرفان.

 *   *   *

*

اليوم السابع من أكتوبر نحتفل فيه ابتهاجا بطرد بقايا الطليان الفاشيست رسميا. ونفرح جديا. منذ سنوات ضربنا الاستعمار في الصميم .. ألحقنا بفلول المزارعين والعمال هزيمة ساحقة. كنا بحاجة إلى بضع انجازات ثورية تربك الأعداء. لمعت في رأس فيلسوفنا الحربي فكرة لا يستهان بها. تسوّق باسمنا حصة لا بأس بها في منشأة )فيات( الاشتراكية الشعبية. ساهمنا بالمثل في برامج الانعاش الاقتصادي العاجل لبعض الاصدقاء من براعم المافيا الصقلية. دائما نعرف بالبداهة كيف نختار حلفائنا لمشاريع المستقبل القريب وصروف الدهر. اشترينا لكم جبلا بركانيا أسود في جزيرة جرداء في عرض البحر الأبيض . ما رأيكم في تناسق الألوان هنا ؟ .. وما قولكم في هذه الشطارة كلها ؟ ... ونسمّيه عيد الثأر .

ولأن الشئ بالشئ يذكر، ذكرتنا طردة الفاشيست بالمدعو عمرالمختار . فطردناه من مدينة بنغازي سابقا الى تلك البلدة الصغيرة التي شنقه الأوغاد فيها قبل أن نتمكن من اعتقاله بتهمة الرجعية المفرطة . وهو مجرد قروي عجوز على كل حال . لم يكن جديرا بسكن المدن الحديثة حتى ميّتا. ومن قال لكم أن القبر لساكنه ؟ .. آه .. لو أن ذلك الدرويش المتخلف مازال حيا الى الآن ، لجعلناه عميلا للصهيونية على الأقل . مدير ثورتنا الفخمة المتعدد المواهب واسع الحيلة مثل ثعلب محنك . تعامل مع رفات الشيخ الطريد بمهارة نباش قبور محترف . قائدنا المذكور حاذق للغاية.. يقود كل شئ بمفرده .... حتى كتائب الجرارات الثقيلة يقودها شخصيا بنفس البراعة كلما اتقضت الضرورة الحتمية نسف ضريح ما .. أو هدم مدينة ما.

بنغازي هذه مدينة مشاكسة قليلا . نحن لا نحبها كثيرا . أخفقت في مجاراة العصر. لم تنقطع قط عن التذمر من مجاريها التي أزكمت رائحتها الكريهة أنوف الاخوة المسؤولين في اللجان ذات الشأن. والمفكر عاكف على حل مشاكل البشرية كلها بالجملة.. وهي تشكو من أزمة المجاري الحقيرة وحدها. يا لها من عفونه رجعية معادية للثورة  !... تلك مشكلتها هي. لا تقدر المسؤولية التاريخية هذه المدينة المالحة المياه . نحن ثوريون بالسليقة .. نأخذ مجرانا الوحيد خلف قائدنا التاريخي والجغرافي . لا تخصنا مجاري الغير . لا نطيق الزكام والمدن المشاغبة. محوناها من الأطلس الشعبي نكاية في سيدي غازي المزعوم وسيدي اخريبيش وغيرهما من السادة الموتى وشبه الأحياء القاطنين فيها وفي ضواحيها، لكي تكون عبرة لغيرها . وضعنا في مكانها )البيان الأول( مثلما فعلنا بالآنسـة )العقوريّـة( توكرة من قبلها. ربما نلغي بقايا الأهالي كذلك في البيـان التالي. 

والله العظيم ، لا يهمنا الا التقدم الفوري في أيّـما اتجاه نقاد اليه. نحن رواد الفكر الاشتراكي الأخضر. مرة نزحف .. ومرة نسير. لا نعبأ بالصعاب . كلما اعترتنا الحيرة نفتح الكتاب .. فنجد الجواب. والديك لا يبيض أبدا، وحتى الدجاجة قررت مؤخرا ألاّ تبيض لحساب الأسواق العامة. أيها المواطن الثائر: يجب أن تتصدى للمؤامرة الامبريالية .. ان لم تجد في السوق بيضة وطنية تأكلها، فلتذبح الديك الخائن.. والقائد ليس عنده وقت لحل مشكلاتك الغذائية. انه " لا استقلال لشعب يأكل من وراء البحر" ـ كما جاء بالمقولة. ولكن لا بأس أن تأكل من جوف البحر.. وتشرب أيضا عند اللزوم. فاصطادوا أسماك القرش، أيها الاخوة المواطنون.. وانقعوها واشربوا. ان القرش العميل من أعداء الشعب الليبي .. وعلينا أن نتغدى به قبل أن يتعشى بنا. فهكذا تحل المشاكل. ولدينا مخزون هائل من الحلول الجذرية والحماس الاشتراكي فضلا عن النفط الخام... لا شئ يزعجنا. 

أي نعم.. طردنا فضلات المزارعين الطليان من الجماهيرية الطازجة التي كانت ليبيا، ونفينا البقية الباقية من الدرويش المسنّ إلى خارج بنغازي التي أمست وأصبحت مدينة البيان الأول والمجاري الأزلية، وشرّدنا أحفاد السويحلي من مصراته التي مازالت على حالها إلى حين اشعار آخر. وأي واحد لا يروق لنا وليس يشطح معنا في أعراس الجلاء الدائم من هنا نطرده .. بل نطارده أيضا وندوس عليه ونسحق عظامه المضادة للثورة ونكسر رقبته ونقطع رأسه ونشرب من دمه نصف لتر على الريق ... نحن مرعبون جدا. نحن رسل الحضارة الجديدة المبشّرون. لا نخاف أحدا فيما عدا ثعلبنا القائد والشرطي والله وبعضنا البعض... ايّاكم أن تستهينوا بنا، والا يأكلكم المالح . نحن عندنا كتاب ملوّن . 

رسالتنا الكبرى في الحياة أن نرهب أعداء الثعلب لنفوز برضاه . انه يفكر بعنف . بفضله وحده نجحنا في اكتساب سمعة دولية مدوّية. لا يعنينا ما اذا كانت جيدة أو رديئة. جريدتنا تؤكد أنها ممتازة.. وقد زكّتها الاذاعة. وقائدنا يبتسم لنا صراحة، ويرقص في السرّ طربا لمنجزاتنا. يكفينا ذلك فخرا. نحن مخيفون حقا.. على ما نعتقد. يخشانا أكثر الاخوة المواطنين.. لا أحد يضربنا.. يهابنا الجميع. فلا بد أن المعلم على صواب، ونحن أيضا تلاميذ نجباء ، وكل شئ على ما يرام . 

ولكن.. ما هذه المخاوف التي بدأت تساورنا من آن الى آخر؟ ... تخالجنا أحيانا بعض الوساوس والشكوك الغريبة. يتملكنا احساس غامض بنوع من الرعب الذي نراه في عيون الآخرين. يخيّل الينا أن مسيرتنا الموحشة على وشك أن تبلغ نهاية طريقها المحفوف بالمخاطر.. والجماجم... تحاصرنا ثمّة أسوار مدينة البيان الأخير.. يلقي الشعب القبض علينا ذات يوم.. ربما في موسم صيد الثعالب وسلخ الفراء الخضر. هل ترى يصفح عنا ذلك الشعب الذي ثرنا عليه واحتكرنا كل شئ باسمه من أجل أن نكسب ودّ ثعلب مكّار؟ وهل في مقدور هذا الأخير انقاذنا من مأزق محتوم يلوح منذ الآن بانتظارنا ؟ ... لا نظن، ولسنا واثقين. والحلم أصبح مزعجا الى حد بعيد . و نحن، في خاتمة المطاف، خائفون الى حد ما. 

فعليكم أن تغفروا لنا وأن تنسوا الاهانات وقتل البعض منكم، أيها الاخوة في الوطن والعروبة. كنا لا نقصد سوءا. والحي خير من الميت ـ على رأي المثل الشعبي. اننا كنا فقط مكلفين . والتوظيف "تكليف لا تشريف" ـ كما أخبرنا مدرس الفصل . وقال شاعرنا الفحل العزومي حتى قبل أن يموت : 

قم للمعلم وفّــه التأييدا   *   كاد المعلم أن يكون عقيدا

ونحن ـ كما قال نفس المعلم ـ أدوات درّبت على الطاعة والولاء. قسما، وعلينا الطلاق بالثلاثة جميعا، انما كنا نحمي مستحقاتكم من الدفع الثوري.. كنا ندافع جاهدين عن أموال الشعب في صندوق الجهاد.. عن أسهمنا الصاعدة في تورينو.. عن جبالنا الشّماء في بانتيليريا.. عن مصرفنا الخارجي العظيم في كامبالا.. عن أخيكم المسلم المرتدّ بوكاسا )صلاح الدين سابقا( .. عن فلسطين وما حولها.. عن سمعة اللجان في كل مكان... كنا لا نريد أن نخرج من المولد بلا بعض الحمّص كما دخلنا.

        فما دخلنا في هذه الورطة، اذن؟ .. ليس من حق أحد أن يلومنا. كل ذنبنا أننا كنا ثوريين أكثر منكم.. وأنتم تحسدوننا فيما يبدو. " لا ثوري خارج اللجان الثورية" ـ هكذا علمنا المفكر. قائدنا التاريخي الوحيد كان من واجبنا أن نتبعه الى نهاية تاريخه. هذه قضية مبدأ. لسنا كلابا ضالة . نحن مواطنون صالحون تماما ـ قالت لنا الاذاعة .. وهي أحيانا لا تكذب . لماذا كنتم تتوقعون منا أن نفكر في العواقب من تلقاء أنفسنا ؟ ... مشكلة التفكير ، شأنها شأن مجاري البيان الأول. لم تكن من اختصاصنا المباشر. وحده كان يقود ويعلم ويفكر ويثور دائما بلا منازع . وهو الذي دعانا قوة الثورة ... فلا حول ولا قوة إلا بالله ! .. ماذا تريدون منا الآن؟.. ان كان في نيّتكم فقط تبادل العتاب الأخوي، فأهلا وسهلا. سامحونا أولا.. نسامحكم بدورنا... ونعترف سويّا. بعضنا يعتقد أنه مخيف وبعضنا لا يدري أنه خائف .. وليس هذا فحسب، بل تفضلوا حضراتكم بالعلم والاطلاع.

        أيامنا كلها أعياد متواصلة. وفي كل أعيادنا نفرح نحن والحكومة طول النهار. ونأخذ عطلة رسمية نصنع في أثنائها مسيرة ضخمة أو اثنتين حسب الحالة الجوية. حققنا الاكتفاء الذاتي من انتاج المسيرات المعلبة في أشرطة الفيديو. وفي يوم العيد نزحف أحيانا على أوكار الرجعية .. وأحيانا نحتفل سبعة أيام بلياليها تحت وطأة الفراغ والملل في أوكارنا الخاصة. ولا شئ يهمنا. فالوقت عندنا من رصاص ونفط مقطر. والخدمة للعبيد. وفي جميع المناسبات السارة تطبق الاذاعة المسموعة على زمارة رقابنا التقدمية، فيما تسلينا بالحديث عن المدن والقرى التي اكتست حلة قشيبة من الزينة ـ على حد زعمها ـ ومواد التجميل .. وعن قطار الموت البطئ الزاحف نحونا وقوارب النجاة المثقوبة .. وعن مواطنينا السعداء الذين طردوا مختلف الحساد وقعدوا ليسمعوها وحدهم.. وعن الكلاب الضالة في بلاد الأجانب واللجان المفترسة في أيام الجمع والعطلات .. وعن الحشود الضخمة التي اصطفت للاحتفال والجلاء والتأشيرة .

        تحكي لنا المسموعة عن كل ما جرى في ألف ليلة وليلة .. وفي ملحمة رأس الغول وقصص الأشباح وأفلام الرعب. تملأنا بالتفاؤل وبهجة المعرفة. نعيش معها في عالم سحري رائع يغبطنا عليه أولئك التعساء المحرومون من نعمة الاذاعة الجماهيرية .. أولئك الذين شاء سوء حظهم أن يولدوا خارج حدودنا. واذا ما خطر لك أن تستريب ولو قليلا في صدق هذه المسموعة المهولة فان جهاز المرئية ـ ذلك الصندون المشبوه المتواطئ معها على نحو فاضح ـ لابد أن يبهر عينيك أيضا بنفس الصورة الفاقعة حتى يكاد ينجح في اقناعك بأن الأساطير الاذاعية، بنوعيها المسموع والمنظور، قد لا تخلو من الصحة في جميع الأوقات.

        بعضنا ليس مخدوعا تماما وبعضنا انقشعت غشاوة الوهم عن عينيه بالكامل. واذاعتنا كاذبة غالبا بنوعيها. أتلفت أعصابنا بالصراخ ليل نهار.. صدّعت رؤوسنا بالهراء والأشعار السقيمة. دائما تسخر منا فتغني: كل شئ تمام .. ثورتنا يا سلام !.. وأي واحد يصدق اذاعة كهذه يمكنك أن تبيع له نصف الكرة الأرضية وتقبض الثمن مقدما مع الشكر .

        انها تخبرنا عن أشياء نملكها ولا نملكها. فمعلوم لدينا أن السلطة بيد الشعب الاذاعي فقط، وبقية الشعب في قبضة الشرطة العسكرية .. والشرطة في جيب القائد التاريخي .. والقائد في قلعته المسلحة يفكر في خوارق جديدة ويراقب الاذاعة من خلال العدسات بين حراسّه والحارسات .. والقلعة داخل أسوار المعسكر ..  والمعسكر محاط بالصواريخ والدبابات الثقيلة .. فالسلطة محاصرة على كل حال. والثروة في عهدة المخابرات مرصودة بالمصارف الخارجية للانفاق السخيّ على مشاريع التصفيات النهائية لخصوم القلعة والترفيه عن أصدقائها. والسلاح ليس في متناول اليد .. يد الشعب مغلولة، والأخرى تصفق وحدها عبثا .. تحمل بنادق فارغة لمهام الخفر الليلي على المخابز وغيرها من الأهداف الحيوية المماثلة .. ولا نملك الا الاعتراف بأن بنادق الشعب المسلح أخشابها جيدة تصلح وقودا للتدفئة .

        تكذب علينا اذاعتنا بلا حياء. وتصلنا كذلك اذاعات أخرى تدخل من أذن وتخرج من أخرى. لم تعد تهزّنا البكائيات الشعرية ومراثي الخنساء الحزينة. لا تطربنا الوعودالذهبية. واسطوانة تحرير فلسطين وما حولها ليست وحدها اللحن المفضل عندنا في هذه الأيام ... يهمنا أولا طرد الثعلب البري المخاتل ومن حوله .. نريد تطهير بيتنا الخاص من سلالة النازية .. نود رفع كمامة الصمت الخانق عن أفواهنا الى الأبد . يخجلنا كثيرا أن عمر المختار مات من أجلنا مرتين .

 

* * *

        في السابع من أكتوبر 82 م تدفقت الجماهير عبر مكبرات الصوت لحضور الاحتفال الشعبي الكبير الذي أقيم بقرية عمر المختار في بلدية الجبل الأخضر. وهذه ليست القرية التي أعدم بها شيخ شهدائنا في العهد الفاشيستي الأسود ثم أعيد اليها قتيلا في عصرنا الجماهيري الأخضر. انها قرية مختلفة. أنصتنا مع غيرنا من الحشود الضخمة الى خطاب تاريخي هام كالمألوف أتحفنا به القائد اللامع لثورتنا الفاخرة. ولم يداخلنا أدنى شك في أنه سيثير على الفور أصداء واسعة في كافة أنحاء العالم الآخر.

        كنا قد عرفنا السرّ في لعبة السبق الصحفي بطريق الصدفة من أحد السواح. فالذي يحصل عادة أن وكالة الأنباء الوطنية ـ التي نستقي منها سائر معلوماتنا المحنّطة عما يدو حولنا ـ تبادر بايفاد مخبريها إلى سلاسل جبال الهملايا والألب وبعض التلال المتفرقة هنا وهناك. فيتلو كل مخبر نص  الخطاب الركيك بأعلى صوته من فوق القمة التي تسلقها، ثم يقبع متربصا في أحد الكهوف حتى يأيته رجع الصدى قائلا من بعيد " يا علم ! " .. وذلك على سبيل ابداء الموافقة المقتضبة. وبناء عليه تعلن الوكالة المحتالة بشئ من الصدق أن ذلك الخطاب قد أحدث أصداء عالمية رنّانة، بل ملحنّة باللهجة المحلية أيضا ـ قبل صدور العدد التالي من صحيفتنا الوحيدة الزاهية اللون .

        أكدت جريدة )الزحف الأخضر( الغبراء على لسان قائد تحريرها، الذي جعل منها مثالا للأمانة الصحفية في نشر تصريحاته الخاصة وبرقيات التأييد، أنه ))علينا أن نعترف بدور عمر المختار الذي استقطب حركة الجهاد في جميع الأراضي الليبية ((... وكأنما الاعتراف بدور عمر المختار في تاريخنا بات أشبه بواجب ثقيل ينبغي أن نحمل أنفسنا اليوم على القيام به، وما كنا لنفعل ذلك لو لم نتلق أمرا صريحا من قيادة بلغ عمرها يوم الخطاب ثلاث عشر عاما وشهرا واحدا وسبعة ايام على اعتاب المراهقة!

        غنّى نفس القائد التاريخي المستجد، فيما كان جناحة الاعلامي المتسلق يردّد وراءه مثل ببغاء مدرب : )) لما داهم قطار الموت الأرض الليبية تحرّك )أي عمر المختار ( لكي يقوم بواجبه ((... ولم يكن قد سبق لأي ليبي أن فكر في مجرد الادعاء بأن عمر المختار لم يتحرك. وانما الشئ الذي أثار استغراب الجميع هو موضوع القطار العجيب هذا. فلا أحد من السامعين كان يتصور أن عزرائيل اخترق الحدود الليبية ممتطيا صهوة قطار في أي وقت مضى .. خصوصا وأن ليبيا ما زالت خالية من السكك الحديدية حتى الآن رغم كل  المنجزات الخارقة التي شهدتها على شاشة التلفزيون خلال السنوات الأخيرة.

        ولكن... ما علينا. فلعل القطار القاتل المشار إليه في هذا الخطاب الطويل العريض الصدى كان مجرد مركوب لفظي مريح دعت الحاجة إلى استخدامه وسيلة للنقل عبر صحراء البلاغة الثورية الشاسعة التي قد يتوه فيها أعتى القادة المفكرين في أحيان كثيرة. أي أن القطار الخصوصي الذي استقله مفكر الثورة البديعة الى قرية عمر المختار ـ كما يبدو من بقية الخطاب ـ لم يكن سوى أداة من صنع خياله الخصب للتعبير عن نواياه العدوانية تجاه غير الركاب بطريقة ملتوية.

       وصل الخطيب المفوّه بيت القصيد في الفقرة التالية مباشرة، عندما صرخ بانفعال ظاهر: ))... وسقط ادريس السنوسي وأصبح الشعب الليبي حرا يدرك حقيقة ادريس السنوسي ... الذي ساهم مساهمة لا تنسى في تأخير هذه البلاد وقهر هذا الشعب، والذي في ظل عرشه أقيمت الدكتاتورية وأقيم الحكم البوليسي القمعي((.. فيا إله السموات، كم خلقت في الشرق الأوسط من أبطال الصفاقة؟ !

        هنالك عملية عقلية معينة يطلق عيها علماء النفس اسم " الاسقاط" . وربما نستطيع تعريفها اجمالا بأنها نوع من الافتراء ينجم عن تلك الأزمة النفسية الشديدة التي قد تدفع بالمرء الى محاولة تبرير اخفاقه أو مشاعر العجز والاحباط في داخله عن طريق خلعها على شئ ما خارج ذاته أو على شخص آخر، أو التي قد تحمله على أن ينسب عيوبه ومساوئه الخاصة على الغير لا شعوريا. ولعل المتنبي قد عبّر، من حيث يدري ولا يدري، عن فكرة قريبة الشبه بتأثير مثل هذه العقدة و مركّب النقص في قوله الشهير :

واذا أتتك مذمّتي من ناقص  *    فهي الشهادة لي بأنّي كامل

        ان بعض الحاضرين من أفراد الشعب الذي كان حرا ولا يدري ـ رغم أنهم لم يدركوا بعد حقيقة الأزمة التي يعاني منها شاهد الزور الماثل أمامهم ـ فطنوا إلى مرارة السخرية الكامنة في كلامه حين تمادى إلى هذا الحد من الوقاحة. ففكروا في أن أبلغ تعليق على ذلك التلفيق أن يغرقوا في الضحك حتى الموت كمدا في بلدية الجبل الأخضر. لكن حانت منهم التفاتة خاطفة جمّدت تلك الفكرة على الفور. فقد كان الموقف لا يسمح حتى بمجرد ابتسامة باهتة. وقد أعطيت الاشارة السرّية لبدء فاصل موسيقي يستغرق خمس دقائق من التصفيق الحاد والهتاف. ولمحوا عيون  الضفادع الميّتة تجوس بينهم ومخبري الحكومة. وتذكروا سائق القطار والجرارات وقضبان السكك الحديدية والسجون ... والصمت من ذهب.

        أضاف يقول : ((هذا هو ادريس السنوسي الذي عندما داهم قطار الموت الأراضي الليبية هرب وترك ليبيا وترك الشعب الليبي وهرب إلى مصر)) ... والشفاعة يا رسول الله !..  ها قد عدنا الى نفس القطار الجهنمي مرة أخرى. فدعونا ننسف المحطة اللعينة برمّتها .

        ان الموت منذ الغزو الايطالي والى هذه اللحظه داهم الأراضي الليبية بأكثر من وسيلة للنقل والمواصلات لم يكن بينها القطار في أي وقت. فقد جاء المستعمرون الغزاة بطريق البحر وبالطائرات التي استعملتها ايطاليا لأول مرة في تاريخ الحروب عندما شرعت تقصف مواقع القوات التركية المرابطة في ليبيا عام 1911. وبقية القصة الدامية معروفة كلها في أثناء الحربين العالميتين وعبر الفترة الفاصلة بينهما.... ومن ثم أصبح الموت لا يداهمنا بعنف الا في بعض حوادث السيارات وتفكيك الألغام من مخلفات الحرب وما أشبه ذلك من المصائب التي تعزى الى القضاء والقدر. فمنذ أن استقلت البلاد في عام 1951 عاشت أرضنا في سلام وأمن كاملين، حتى فوجئت بهجمة الفاشيست المعاصرين في ساعة مبكرة من خريف سنة 1969 . وذلك حين انطلقت شراذم الانقلاب العسكري الحاكم اليوم من داخل ثكنات الجيش الليبي نفسه زاحفة على دار الاذاعة لتعلن عن قيامها بما أسمته " ثورة "! .. وصحيح أن هذه الغارة الأخيرة جاءت بطريق البر، لكنها أيضا كانت خالية من القطارات.

        وبقية الحكاية التالية للانقلاب معروفة هي الأخرى، وان لم تكن قد دوّنت بعد بكل تفاصيلها القبيحة في تاريخ البلاد. فحكومة الانقلاب أدرجت اسمها في سجلات البلدية تحت خانة " الثورة العظيمة".. ثم أخذت تثير الشغب وتخوض المعارك الخاسرة ضد الجميع على كل الجبهات المتاحة .. وتغتال المواطنين في طريقها بالمسدسات والخناجر. ومات الأمن.. وانتحر السلام مؤقتا بانتظار سقوط الانقلاب. فاذا كان ذلك القطار المميت الذي تكرر التنويه به في قرية عمر المختار حتى كدنا نسمع صفّارته مجرّد ألعوبة بلاغية مبتكرة لاصابتنا بالهلع، فمن الأفضل أن نقرّر الاقلاع عن مشاهدة التلفزيون المرعب واستهلاك المحسّنات البديعية والتدخين في آن واحد... لأن هذه العادات كلها ضارة بالصحة على أي حال. والقضية لا تحتمل مزيدا من الهزل، ومهزلة بلادنا اتخذت أبعاد قضية خطيرة من جميع الوجوه.

* * *

       

ان القصد الحقيقي من مضمون فقرات الخطاب التي أوردنا نصها فيما سبق مغلف بغلالة شفّافة جدا لا تستر ما وراءها اذا دققت النظر. فالواضح مما نشرته (الزحف الأخضر) نقلا عن خطيبها الفصيح أنه تعمد الاطناب في الاشادة بذكر السيد عمر الختار، متظاهرا بتقديره الكبير لدور شيخ شهداء ليبيا في حركة جهادها. وقال ما مؤداه باختصار أن عمر الختار حمل السلاح في وجه المحتلين صامدا في ميدان القتال حتى النهاية، بينما تخلى ادريس السنوسي عن شعبه في وقت الشدة. فهكذا يمكن تلخيص ظاهر الخطاب وأصداءه معا. أليس كذلك، يا وكالة الأنباء الصدئة ؟

        وهذا القول نصفه حق يراد به باطل. وذلك أن قائد الزحف السالف الذكر لم يكن يعنيه عمر المختار الا بقدر ما يخدم أهدافه الخبيثة. فالواقع أن كل اللف والدوران والقفز بين أرصفة القطارات عبر خطابه المقبض لا يعدو أن يكون محاولة رخيصة لعقد مقارنة مغرضة من أساسها. فهو انما أراد أن يستثمر مكانة الشيخ الجليل في نفوس الليبيين جميعا، بحيث يتملق ذكراه العطرة بحماس مصطنع، مع التجنّي في نفس الوقت على السيد ادريس السنوسي ـ بل والتطاول عليه أيضا بمنتهى السّفاهة ـ معتقدا أنه يستطيع أن يخلص من تلك المناورة السّمجة كلها الى نقطة واحدة. وهي الا¡